الاثنين، 19 أكتوبر 2009

رضا بن موسى ـ يوسف الشريف ـ جمعة عتيقة

النص الكامل
وثائق رابطة الأدباء والكتاب الليبيين
ما جرى وما حدث..
كيف ولماذا..؟!




الطبعة الثانية
في الطبعة الأولى وردت أخطاء فنية ومطبعية تم تجاوزها في هذه الطبعة، كما أضيفت وثائق لم تنشر في الطبعة الأولى.( المحررون )

مفتتــح:
أصدرت أمانة مؤتمر الشعب العام بتاريخ 21/5/2002ف القرار رقم (90) 1 بشأن تشكيل لجنة للإطلاع على ظروف رابطة الأدباء والكتاب وإعادة بنائها واقتراح سبل تفعليها ودعمها، على أن تعمل اللجنة تحت إشراف أمين الشؤون الثقافية والتعبئة الجماهيرية بمؤتمر الشعب العام, وأن تقدم تقارير دورية عن نشاطها .
وقد تشكلت اللجنة من أمين اللجنة الشعبية لمؤسسة الإعلام الجماهيري, والأمين العام لرابطة الأدباء والكتاب, وأمين شعبة التثقيف بمكتب الاتصال باللجان الثورية, ومدير المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر, وأمين اللجنة الإدارية لمجلس تنمية الإبداع الثقافي.
ويعتبر هذا القرار هو الخطوة الإجرائية والاستجابة العملية التي اتخذتها أمانة مؤتمر الشعب العام على ما تم إقراره بالمؤتمر العام الرابع لرابطة الأدباء والكتاب في جلسة استثنائية في 28/4/2002ف بخصوص الأوضاع الصعبة التي تواجهها, حيث دعى أعضاء الرابطة, المجتمع والدولة, إلى أهمية النظر والتعامل مع رابطة الأدباء والكتاب بمراعاة خصوصية طبيعتها البنيوية ودورها المختلف عن بقية الروابط والاتحادات والنقابات المهنية، وعلى ضرورة معالجة التقصير في تقديم الدعم المالي اللازم.
وكان قد تقرر إحالة تقرير أمين الرابطة, وبإجماع الأعضاء, إلى كل الجهات الرسمية للدولة التي لها علاقة بالأمر, مع تعزيز ذلك بالاتصال المباشر, بل وأكدوا على نشره وتعميمه عن طريق وسائل الإعلام جميعها للتعريف بالرابطة والظروف التي تواجهها والمعوقات التي تعترض طريقها إلى جانب مناشدة أمانة مؤتمر الشعب العام بضرورة تقديم الدعم المالي, لكونها رابطة غير مهنية, وأيضا تقديم الدعم المعنوي لها لدورها العام في خدمة المجتمع ثقافيا واللذان لم يتوفرا رغم المطالبات المتكررة المكتوبة والشفهية.
ثم تلاحقت القرارات والخطوات الإجرائية، من طرف أمانة مؤتمر الشعب العام:
فأصدرت بتاريخ 14/6/2004 القرار رقم (59) 2 بإعادة بناء الرابطة العامة للأدباء والكتاب وإعادة النظر في نظامها الأساسي. وقد نص القرار على تشكيل لجان للإشراف على عملية إعادة بناء فروع الرابطة بالشعبياتـ المناطق المختلفة للبلاد, والتي كان قد تم إلغاؤها واستحداث مكاتب بدلا منها, في المؤتمر العام الأول للرابطة, مع منح استثناء للرابطة عن بقية الروابط والنقابات في ما يخص العدد اللازم لتكوين الفرع بتقليصه من 100عضوا إلى 20 فقط.
ثم ألحقت أمانة مؤتمر الشعب العام القرار بالتعميم رقم (2) 3 لسنة 2004, موجها إلى أمناء المؤتمرات في الشعبيات ولجان الإشراف, وباعتباره سندا قانونيا لتنفيذ ما ورد بالقرار ولتسيير عملية إعادة البناء, يحتوي الشروط والضوابط الجديدة التي وضعتها والتي صار من اللازم توفرها فيمن يرغب في الانتساب إليها. وبدا التنفيذ العملي لما جاء في القرار (59) والتعميم رقم (2) اعتبارا من 3/7/2004 بالنسبة للشعبيات4.
ولم يتضمن القراران السابقان أية إشارة إلى أسباب إعادة البناء. أما في التعميم فقد وردت إشارة عامة غير متعينة الدلالة ويحتمل اعتبارهاـ تجاوزاـ سببا, وهي أن "النقابات و الاتحادات والروابط المهنية إحدى دعامات سلطة الشعب, ويتطلب الأمر تفعيلها ووضعها في السياق الصحيح الذي يخدم السلطة الشعبية ويرسخها ويؤكدها. ولما كانت رابطة الأدباء الكتاب إحدى أهم الروابط العاملة في الجماهيرية العظمى لمالها من أثر على الحركة الثقافية والأدبية والفكرية, الأمر الذي حدا بأمانة مؤتمر الشعب إلى إصدار قرارها بإعادة بنائها بالشكل الصحيح".
إحدى هذه الشروط الجديدة, التي تضمنها التعميم, تقضي بألا يكون قد صدر ضد الراغب في العضوية حكم بالإدانة في جناية أو جنحة تمس أمن واستقرار النظام الجماهيري, ويلزم في هذا الشأن بضرورة إحضار الدليل القطعي: شهادة البراءة (شهادة الحالة الجنائية الخالية من السوابق الأمنية), الأمر الذي يعني ـ تحديداـ استهداف مجموعة محددة من أعضاء الرابطة, شغل بعضهم عضوية الأمانة العامة, وكلف البعض الآخر بمهام في لجانها المتعددة.. أداروا ونظموا, بالمشاركة, مع بقية زملائهم من الأعضاء, مناشط وفعاليات عدة وأشرفوا على إصدار مطبوعاتها. والمقصود هنا الأدباء والكتاب الذين صدرت بحقهم أحكاما بالسجن لفترات مختلفة بناء على تهم سياسية.
والشرط الآخر، والذي يحمل تشكيكا وإدانة مسبقة لجميع أعضائها, بدون استثناء، يقضى بأن يكون الراغب في الانتساب ملتزما بالفكر الجماهيري ومتمسكا بسلطة الشعب ومؤمنا بالمبادئ والأهداف التي قامت من اجلها ثورة الفاتح العظيمة, مع إلزامه بضرورة إرفاق طلب الانتساب بتعهد كتابي بالالتزام بفكر النظرية العالمية الثالثة والنظام الجماهيري القائم على سلطة الشعب.
ويختتم التعميم أوامره إلى اللجان المشرفة على إعادة البناء بأن تضع اليد على أموال وممتلكات وموجودات الرابطة الثابتة والمنقولة وحصرها والمحافظة عليها, وعدم تمكين أي شخص من استعمال السجلات والمستندات والأوراق والأختام.
ثم تضيف أمانة مؤتمر الشعب العام, وتعزيزا للتعميم رقم (2), قرارا ثالثا بتاريخ 7/7/2004 ورقمه (69) 5 لسنة 2004 بتشكيل لجنة لتنفيذ الإجراءات اللازمة لوضع اليد على الرابطة العامة للأدباء والكتاب الليبيين الكائن مقرها بمدينة طرابلس. وبما يعنيه ذلك من اتخاذ الإجراءات الرسمية بإخراج العاملين منها وقفل مقرها, (بسلسلة حديدية مختومة بالشمع الأحمر), وبالتالي إيقاف مناشطها وأعمالها الإدارية والمالية ومنع ارتيادها من قبل أعضائها ومجمل المهتمين بالشأن الثقافي.
وهكذا دخلت العلاقة, بين الدولة ـ ممثلة في أمانة مؤتمر الشعب العام ـ ورابطة الأدباء والكتاب الشرعية, مرحلة تأزم, بالتوقف أولا عن تقديم المساعدة المالية لها, ثم بتشكيل لجنة للنظر في أوضاعها بدون مشاركة مباشرة من أعضائها ثانيا, وثالثا بتأجيل الإذن لها للشروع في إجراءات التصعيد لإدارة أمانتها العامة.. وانتهى الأمر بإقدام أمانة مؤتمر الشعب العام على حلها كرابطة شرعية قائمة بحكم إرادة أعضائها وحكم قضائي وتصديق من أمانة مؤتمر الشعب العام ذاتها, وذلك بإلغاء عضوية جميع أعضائها, والعمل على إعادة بنائها, بإنشاء رابطة أخرى جديدة, لا تقبل المنتسبين إليها إلا ضمن شروط ومواصفات لم تكن موجودة, من قبل, في القوانين السائدة المعتمدة, ومنها القانون الصادر بها رقم 44 لسنة 1976 باسم قانون إنشاء اتحاد للأدباء والكتاب, بل ومخالفة بالتحديد للقانون رقم (1) لسنة 1425ميلادية بشأن المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ولائحته التنفيذية وللقانون رقم (23) لسنة 1428ميلادية بشأن النقابات والاتحادات والروابط المهنية ولائحته التنفيذية.
ولأهمية هذه الواقعة في تاريخ الحياة الثقافية الليبية ـ إعادة بناء رابطة الأدباء والكتاب بإلغاء عضوية جميع أعضائها, ووضع شروط ومواصفات للراغبين في الانتساب إليها, لم تكن موجودة, من قبل, في القوانين السائدة المعتمدة ـ الأمر الذي اعتبره الأدباء والكتاب الليبيون, والمثقفون والمهتمون بالشأن الليبي الوطني العام, إجراء ظالما, وتعسفيا جائرا, ضد استقلالية العمل في الحياة الثقافية الليبية, بشكل خاص, ومجمل مسيرة العمل النقابي ومنظمات المجتمع المدني...
لهذه الأهمية, رأينا ضرورة, طرح القضية للنقاش والحوار, في هذا الكتيب التوثيقي التسجيلي، عبر معرفة: ماذا جرى وكيف حدث ؟! برصد التفاصيل وسرد الأحداث, بغية الفهم, والتحليل الموضوعي, لتعلق الواقعة الوطيد بجدلية الواقع والوعي.. لتبيان لماذا جرى ما جرى وحدث ما حدث؟.. ومن هي العناصر الفاعلة والمتفاعلة في الحدث.. وما هي أسباب حدوثه ودوافعه التي أدت إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات لتفكيك الرابطة الشرعية بحلها, ثم إعادة بنائها على نحو يشكل انتهاكا لحقوق واستحقاقات أعضائها, ويخالف القواعد الديمقراطية, المتعارف عليها, في ضرورة وجود الروابط والنقابات والاتحادات والجمعيات والأندية, كتشكيلات توسطية لها حق الاستقلالية الذاتية ولها حق المشاركة الحرة, باعتبارها تمثل ضمانات الحرية بين المواطنين الأفراد وبين الدولة.
ونحن عندما نوثق ما جرى وما حدث, ونناقش أسبابه, لا نطرح المسألة بحثا فقط عن أصلها وجذورها وأسبابها بل ندعو إلى إصلاح هذا الأمر وتغييره.. سعيا لفتح أبواب الأمل والعمل بتفاؤل الإرادة المستند إلى الحق والقانون, إلى بناء مستقبل أفضل في هذا البلد يعتمد حرية العمل النقابي ويعطى مساحة أوسع لحق المساهمة والمشاركة وإبداء الرأي من قبل هذه التشكيلات التي بدون هذه الحقوق والاستحقاقات ليس هناك معنى لتواجدها؛ لأنها تحرم من دورها الطبيعي ومن حقها الطبيعي, فرابطة الأدباء والكتاب بالخصوص وكما هو مفترض حاضنة الأدب والفكر والرأي.
إن هذا الكتيب مفتتح حوار, يمكن إثراؤه والإضافة إليه, من قبل جميع المهتمين بالشأن الثقافي، والعمل النقابي, سواء فيما يخص الوقائع التي قد نكون سهونا عن ذكرها, أو الإشارة إليها, أوفي تقديم قراءات أخرى لأبعاد لم يتم تناولها أو التطرق إليها لهذا الحدث الهام والحامل لدلالات أكثر أهمية, أو بوجهات نظر ترتكز على منظور يخالف ما ورد فيه.
ومع المدخل الرئيس, للنظر إلى هذه القضية الهامة, تطرح الأسئلة حول أسباب التدخل غير القانوني في شؤون رابطة الأدباء والكتاب الليبيين الشرعية, والتي لم يتم إيضاحها في القرارات الرسمية من قبل أمانة مؤتمر الشعب العام، المكلفة بإدارة شؤون الدولة مكتبيا فقط وليس القيام بكامل أدوارها التشريعية والتنفيذية والقانونية.
هذه الأسباب هي مدخل أساس في قراءة واقعة حل الرابطة الشرعية، وإنشاء رابطة أخرى بديلة, بطرق مخالفة للقواعد والأساليب الديمقراطية والقانونية، ليس لها أمين عام بعد إلا اسميا, حيث أنه, ومن المؤكد, لم يحضر تصعيدا أو ترشيحا أو أي نشاط لها.
ويتوازى مع جهد البحث في إيجاد إجابات موضوعية لأسئلة الأسباب باستنطاق المعطيات والبيانات الواقعية, النظر أيضا في المفاهيم والأفكار والآليات التي تتحكم في تسيير العمل النقابي ومجمل منظمات المجتمع المدني:
فماذا جرى برابطة الأدباء والكتاب.. ماذا حدث؟
كيف.. ولماذا حلت الرابطة الشرعية الوجود بحكم قوانين وآليات العمل النقابي التي تمنح القطاعات المختلفة حق إدارة نقاباتهم وروابطهم أولا وثانيا بالتعزيز بحكم قضائي وثالثا باعتماد أمانة مؤتمر الشعب العام لصحة تصعيد أمانتها.
ولماذا أعيد بناؤها على نحو مغاير وبتعليمات وتوجيهات فوقية من المفترض أنها لا تتماشى والأطروحات السياسية المعلنة والتي تؤكد حق الناس في بناء نقاباتهم وروابطهم على النحو الذي يخدم منتسبيها وطبيعة قطاعاتهم وتتمكن من الدفاع عن حقوقهم, وعلى أي أسس أو معايير أو رؤى اتخذت القرارات والإجراءات.
ماذا فعل الأدباء والكتاب؟!
ما الذي حدث حتى جرى ما جرى؟!
لماذا فاض الكيل بالدولة ممثلة في أمانة مؤتمر الشعب العام وأدى إلى تدخلها الفعلي المباشر في شؤون الرابطة, بل وحلها, وكان المتوقع منها تقديم الدعم المالي والمعنوي؟
وإذا كان هناك من ملاحظات أو نقد لها, فلماذا لم يتم طرح هذه المسائل والإشكالات عن طريق الحوار ليتحقق تبادل الرأي والمشورة وفي النور والعلن وبشروط الديمقراطية الحقيقية.
وإذا كان هناك ما يدعو إلى إعادة بناء الرابطة، عبر تحقيق تغييرات جوهرية، للمزيد من تفعيلها بما يخدم المجتمع، فهذا من مهمة أعضائها، الذين استطاعوا, بعد حوارات عميقة، أن يعقدوا مؤتمرا عاما خلال الفترة من 18-19/11/2000، اكتسب شرعيته أولا من إرادة أعضائها، ثم بحكم قانوني, وذلك لمناقشة أحوال وشؤون الرابطة سعيا لتفعيل دورها في الحركة الثقافية على نحو أفضل, بتوسيع مستوى المشاركة في تحمل المسؤولية, وطرح القضايا والموضوعات من دائرة المسكوت عنه واللامفكر فيه وإلغاء أية مظاهر للتماهي بنماذج التسلط والانفراد بالرأي في إدارة شؤونها, وتحويلها إلى جهة رقابية بدلا من دورها الحقيقي في الدفاع عن حق النشر، ومقاومة كل أشكال الرقابة والمصادرة. وعلى أن يتحقق ذلك بعقد مؤتمر عام للكتاب، أسوة ببقية الروابط والنقابات الأخرى, يضع السياسات العامة للرابطة وبرامجها واللجان المسؤولة على إدارة أنشطتها ، ويصيغ نظاما أساسيا ولائحة داخلية تنفيذية جديدين لتطوير البنية النقابية لمؤسستهم على نحو أكثر ديمقراطية 6 و7و8 و9 و 10 و11.








وقد أعتبر انتظام عقد المؤتمر السنوي العام للرابطة، نقلة نوعية, في مسار تفعيل العمل الثقافي, بتخطي التلقائية والعفوية والفردية إلى الفعل المنظم الجماعي.. وبما يحقق المشاركة المباشرة لكل أعضائها من الأدباء والكتاب والمثقفين في تقرير سياستها وتوجهاتها العامة ويعزز بالتالي دور أمانتها في تحمل المسؤولية التنفيذية لما يترتب عن قراراتهم وتوصياتهم, وذلك استنادا إلى ما تحقق من تغييرات فعلية في هيكلية ونظام الرابطة وشروط العضوية وإنشاء مكاتب في المناطق المختلفة وتشكيل اللجان المتعددة لتولي الأنشطة الثقافية والشؤون الإدارية12.
فإذا كان هناك ما يدعو إلى الاهتمام بالرابطة، من أية جهة أخرى غير الرابطة نفسها فكان يتوجب أن يتجلى في معالجة القصور من قبل الجهات المسؤولة في الدولة عن تقديم الدعم المادي والمعنوي اللازمين لها، وبما يؤكد الفهم لأهمية الثقافة, وطبيعة دور المثقفين كطليعة اجتماعية تنويرية, تعمل في مجال الأدب والفكر وتساهم في صنع التقدم والتطور للمجتمع, وذلك بتوسيع مساحة الحرية أمامهم عبر تنظيم رابطتهم وضمان حقهم في نشر إبداعاتهم الفنية الأدبية وكتاباتهم الفكرية الجادة التي تتناول القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية.
ولكن بدلا من ذلك، تشكل لجنة للنظر في أوضاع الرابطة لا يمثل فيها من أعضائها, ذوي الشأن وأصحاب المصلحة, إلا الأمين العام الذي كان قد قدم استقالته، لظروف موضوعية وشخصية تتعلق بثقل متطلبات العمل بالرابطة الذي يتناقض و تكليفه بإدارة مؤسسة ثقافية أخرى في ذات الوقت ولاحتياجه الشخصي إلى الوقت والجهد لأعماله الأدبية والعلمية تحت الإنجاز. وما كان استمراره، إلا بسبب عدم قبول استقالته, التي قدمها, من قبل الأعضاء بقرار اتخذ بالإجماع، وعلى أن يظل بمنصبه حتى التصعيد في المؤتمر القادم.
وإلى هنا ظل الأمر مبهما ومحيرا, فلم يعلن أو ينشر تقرير من تقارير هذه اللجنة أو محضر من محاضر اجتماعاتها, رغم مرور الزمن. وربما توقع البعض, بمبدأ افتراض حسن النوايا أولا, أن يتمخض عن تشكيلها شيء إيجابي, مثل توصيات بفتح حوار مباشر بين أمانة مؤتمر الشعب العام وبين أعضاء الرابطة, للنظر في الأوضاع الصعبة التي تواجهها الرابطة, بحثا عن حلول ناجعة منها تخصيص دعم مالي للرابطة في بنود الميزانية العامة, أو فتح المجال ببرامج استثمارية في الطباعة والنشر تمكنها من الحصول على عائدات مالية, ولكن ما حدث كان على العكس تماما.
فلم تكتف أمانة مؤتمر الشعب العام بقرارها الأول بل أصدرت قرارا ثانيا وثالثا مع تعميم, يقضي بوضع اليد على مقر الرابطة 13 و 14, الذي تهدد لجنة ملكية شاطئ البحر بضرورة إخلائه، وقفل بابه بسلاسل حديدية مختومة بالشمع الأحمر، ويحدد شروطا جديدة لعضويتها، ألغيت بموجبها عضوية جميع أعضائها البالغ عددهم المائة والخمسين, فيطلب من كل راغب في الانضمام إلى الرابطة الجديدة ضرورة إعلانه الولاء والتعهد بالالتزام بالمبادئ الثورية كتابيا مع إرفاق طلب الانتساب بشهادة حسن سيرة وسلوك والتي تعني شهادة الخلو من السوابق الجنائية و المقصود هنا بالطبع السوابق الأمنية السياسية.
إن هذه المعطيات والوقائع والملاحظات هي مجرد تفصيلة من سؤال أعمق يبحث في أزمة العلاقة بين الدولة ورابطة الأدباء والكتاب (غير المهنية) من حيث التضارب والتناقض في فهم واستيعاب القواعد الديمقراطية للمجتمع المدني.
وأولى الملاحظات, التي لابد وأن يبديها المهتمون, أن قرارات أمانة مؤتمر الشعب لم تتضمن تبيانا لأسباب صدورها!, فهل كان عصيا أن تعلن المبررات والخلفيات التي دفعتها إلى اتخاذ هذا الإجراء, ولماذا لم يتم إعلام المواطن الليبي صاحب السلطة بما جرى وما يحدث وأسبابه والدوافع التي أدت إليه.
هل كانت نظرة الدولة إلى رابطة الأدباء والكتاب (غير المهنية) مساوية لنظرتها لنقابات وروابط و اتحادات أخرى مهنية وحرفية، مثل: نقابات وروابط واتحادات العاملين في القطاع العام والقطاع الخاص, بتعددها المتنوع, والذي لا يحصى للمهن والحرف ....إلخ, بالرغم من الفارق الواضح من حيث طبيعة هذه المهن ونوعيتها وطبيعة نشاطاتها وأهدافها، ناهيك عن طبيعة المنضمين إلى عضويتها والقطاعات التي تستهدفها والمجالات التي تتطرق إلى بحثها ومناقشتها وطرق ووسائل تمويلها المالي.
وإذا كانت الدولة ترى أن رابطة الأدباء والكتاب الليبيين رابطة مهنية, فأين هم الأدباء والكتاب الليبيين الذين يحترفون الأدب والكتابة الأدبية والفكرية كمهنة توفر الرزق لهم ولعيالهم؟! (ولا نتحدث هنا عن وجود استثناءات محدودة ونادرة جدا) وأنظر كم عانت الرابطة من عدم توفر كادر ملائم متفرغ لإدارة شؤونها.إن معظم الأدباء والكتاب الليبيين, ومنهم أعضاء الرابطة, يمارسون العمل في قطاعات أخرى, سعيا وراء لقمة العيش الصعبة, وبذا فإن جهودهم في المجال الثقافي خدمة لمجتمعهم توجب التقدير والتكريم.
لقد ضاقت الرؤيا بحيث لم يتم التعامل مع الرابطة بخصوصيتها وطبيعتها المختلفة مثل نقابة المحامين أو نقابة الصحفيين, داخل الروابط والنقابات، وباعتبارها مؤسسة معنية بكل شؤون وقضايا الوطن, تسعى للارتقاء بالحياة الأدبية والفكرية والثقافية للمواطن الليبي التي هي الشرط الأساسي لتحرير العقول والأيدي من أجل تحقيق التنمية الشاملة لبلادنا.
إن الأدباء والكتاب الليبيين, ومنهم أعضاء الرابطة, كثيرا ما ساهموا عبر إبداعاتهم وكتاباتهم وفى حلقات الحوار في الملتقيات والندوات والمهرجانات العديدة، في طرح ومناقشة قضايا أدبية وفكرية وثقافية واجتماعية, تمس كل مناحي الحياة العامة, للوطن والمواطن, وتؤكد دورهم الاجتماعي كطليعة متقدمة تتصدى لإشكاليات الحياة في مختلف نواحيها الاجتماعية بهدف التنوير الفكري وتعميق الانتماء للحياة الكريمة في وطن حر، والتحفيز للعمل من أجل التطوير والبناء 15.
فهل جاء التدخل في شؤون الرابطة الشرعية ثم تغيير شروط الانتساب إليها وحلها بوضع اليد وتشكيل رابطة أخرى بشروط جديدة خاتمة غير سعيدة لإشكالية العلاقة بين الدولة والمثقف, التي شابها عبر مسيرة طويلة, الخلاف بدلا من التفهم العقلاني المتسامح لطبيعة الأدوار واختلافها وتنوعها.
وهل يمكن اعتبار ما حدث وما جرى تعبيرا عن عدم الرضا, وعبر تاريخ طويل, عن رابطة الأدباء والكتاب, ولأسباب تراكمت..لم تتم الإشارة إليها بالوضوح الكافي, ولم يفصح عنها في السابق, بشفافية, بحيث اعتبرت المناشدة العلنية لمؤتمر الشعب العام بضرورة تقديم الدعم المالي والمعنوي ذنبا كبيرا وجريمة لا تغتفر.
وفي الواقع أنه لم يعد هناك من خيار إلا المطالبة والاحتجاج, فالدروب صارت مغلقة وخاصة بعد أن أوقفت مجلة (لا) عن الصدور، بحكم التوجيه الصادر بضرورة عرضها على الرقابة قبل طباعتها, "والتقيد بنشر المواد الأدبية والفكرية والثقافية إجمالا والمواضيع ذات العلاقة برابطة الأدباء والكتاب دون غيرها "16 ...؟؟!! وهى المطبوعة التي اعتمدت الرابطة على إيراداتها الإعلانية, وأيضا بعد توقف الاشتراك التشجيعي لمجلة الفصول, بالإضافة إلي إلغاء أمانة الإعلام التي كانت قد قدمت مساعدات في السابق..
فهل كانت المناشدة والمطالبة بالحق جريمة؟!
وهل يعتبر هذا خروجا عن القواعد الاجتماعية والسياسية الطبيعية يسبب الضرر للمجتمع والدولة؟!.
أم أن التدخل التعسفي استهدف إسكات دعوة الكتاب والأدباء إلي ضرورة الدفاع عن الثقافة بشتى الوسائل الإعلامية، وتبيان المعوقات والظروف الصعبة التي تواجهها رابطتهم إلى كل الناس, وكأن الإعلان عن ذلك لا يعتبر حقاً حقيقياً لهم, مما يستدعى فعل الإقصاء ضدهم, بحل رابطتهم, وإبعاد بعضهم بفرض شروط تعجيزية عليهم, تمنع انتسابهم إليها بحكم صدور أحكام مجحفة ضدهم أدت إلى دخولهم السجن السياسي, والضغط على مجمل الأعضاء بالتشكيك في ولائهم لوطنهم.
فهل كان في هذا وذاك الفرصة السانحة التي حان قطافها, والمبرر المناسب للتدخل في شؤون الرابطة بفرض إجراءات تعسفية، من خارجها، وقد حدث هذا في مرات سابقة عديدة، من طرف مؤسسات عدة، كالرقابة على المطبوعات، ولكن في هذه المرة على شكل حدث فريد يمثل اتهاماً ظالماً لكل أديب ولكل كاتب ولكل مثقف.
وهنا سؤال ..
لماذا تطلب الدولة الليبية من الأديب والكاتب والمثقف الليبي أن يقدم تعهداً, وأن يحضر شهادة حسن سيرة وسلوك.
ألا يعني هذا الإدانة والاتهام المسبقين بأن الكاتب الليبي مذنب، وغير ملتزم ولا يحق له ممارسة حقوقه الثقافية إلا بالإذن.. مع أن مسألة الحقوق الثقافية ـ إبداعا وممارسة ـ هي مسألة وجودية ولا تعتبر من الكماليات بل هي إحدى أهم أبعاد جوهر كينونة الإنسان الأصيلة, وعندما تنتهك بالرقابة والمنع في المعرفة والتعبير والممارسة فإنها تمس مجمل أبعاد حريته الوجودية بالظلم والأذى.
وإذا كان شرط الشهادة يخص أعضاء بالرابطة محددين دون غيرهم، فإن ذلك يخالف المراجعات التي تمت في لقاءات عدة, مباشرة وعلى الملإ, لبعض القضايا والأحداث والملابسات الثقافية السياسية, والتي أشارت إلى أن بعض الإجراءات الأمنية كانت إجراءات شديدة القسوة, ومبالغا فيها, واتخذت في الماضي اضطرارا, بسبب ظروف استثنائية, ولغرض تثبيت النظام الثوري. (والمقصود هنا بالتحديد الاتهامات التي أدت إلى اعتقال وسجن بعض الأدباء والكتاب والمثقفين وغيرهم في قضايا سياسية متفرقة، ولفترات مختلفة, إلا أن الإفراج عنهم, وغير المشروط, بل والذي كان عفوا ذا طبيعة شاملة, تبين في السماح لهم بالالتحاق بالعمل سواء في المؤسسات العامة أوفي المجال الخاص وحرية السفر وفي الانتساب إلى عضوية الروابط والنقابات ومنها رابطة الأدباء والكتاب التي رحبت بمساهماتهم بالخصوص, بالإضافة إلى اختيار بعضهم ضمن الفريق الذي كلف بتأسيس مجلة لا, مما يعني منحهم حقوقهم الطبيعة الاجتماعية في حياة كريمة والسماح لهم بالمشاركة والمساهمة في بناء وطنهم , هذا بالإضافة إلى أن الأحكام التي كانت قد صدرت عن المحاكم العادية وحتى محكمة الشعب الاستثنائية بحق المعنيين بهذا الأمر لم تطل أصلا حقوقهم المدنية).
وبالتالي هل يمكن أن يقرأ هذا الإجراء بكونه اعتراضا على منجز إيجابي تحقق في الحياة السياسية والثقافية الليبية، يستهدف تخطي مراحل من الضغط والتوتر، إلى فتح صفحة جديدة..مساحة حرية لمبدعين مساهمين في تشكيل ثقافة وطنية منفتحة.
إذا كان هذا أمر الشهادة فماذا يعني التعهد إذن والذي اشترط على جميع الراغبين في الانتساب إلى الرابطة الجديدة التي يستهدف وجودها.
لماذا التشكيك بل لماذا الإدانة المسبقة والواقع يؤكد أن المثقف الليبي، وعبر مسيرته في رابطة الأدباء والكتاب، وفي مجمل الممارسات الثقافية خارجها، لم يكن يوماً بعيداً عن الالتزام بقضايا الناس والوطن وعن التعبير عن الهموم والطموحات العامة في بناء مستقبل أكثر عدلاً وأكثر حرية وأكثر بهجة ً.
لماذا الإدانة إذن ؟!
هل لأن المثقفين يرفعون صوتهم الحر، طبقاً لحقوقهم بكونهم مواطنين، ولمهامهم النوعية، باتجاه تأكيد حق إبداء الرأي والاختلاف, وفتح الحوار الجاد والبناء في موضوعة المشاركة في التخطيط والتنفيذ والرقابة.
أم لأنهم يدعون في كتاباتهم وبياناتهم إلى وضع إستراتيجية عقلانية منفتحة للثقافة، تمكن من إعادة النظر في المؤسسات الثقافية والعلمية والتعليمية لغرض تفعيلها, ومنها: الجمعيات والمراكز الثقافية والجامعات والمعاهد والمدارس, بحيث توفر مناخا يرسخ الثقافة الوطنية بإبداع رفيع، بدلاً من سيطرة خطاب إعلامي يهمش الثقافي ويغيب فعاليته، ولم يتح للرابطة أو لأية مؤسسة أو فعالية ثقافية أخرى الفرص المناسبة لتحقيق أهدافها، بسلب اختصاصاتها، في التعريف بالأدب والثقافة الليبية والإنسانية في الداخل والخارج، وتنشيط الحركة الفكرية والأدبية لتوسيع أفق المواطن ثقافياً وفكرياً بالتعاطي مع الأسئلة والقضايا الثقافية والاجتماعية.
أم لأنهم قد تصدوا باستمرار للقضايا الأساسية للثقافة وعلى رأسها حرية النشر، حيث دعوا عبر كتاباتهم المنشورة وملتقياتهم إلى رفع الرقابة عن المؤلفات وعن الصحف والمجلات.. و إلى صحافة حرة جادة، وإلى إعادة النظر في قانون المطبوعات، ورفعوا احتجاجهم على إحالة مجلة (لا) على الرقابة قبل الطبع.
هكذا تتوالى الأسئلة ، وتتعدد احتمالات القراءة والتأويل:
فلو رصدنا المؤشرات الأولى التي أدت إلى ما حصل في رابطة الكتاب والأدباء وغيرها من التشكيلات النقابية, مثل نقابة المحامين، نجد أن الدوافع لمثل هذه الإجراءات قد تكون انطلقت من ضيق أفق بعض الجهات, التي تدير شؤونا عامة, تجاه الرأي الآخر, هذه الجهات التي تكرست لديها ذهنية شمولية التبعية وعدم السماح بالاختلاف ولا تقبل بأي نشاط أو فاعلية إلا داخل القوالب التي تضعها هي أو داخل الدائرة التي ترسمها هي .. أو بالأحرى هي لا تسمح لأحد بالخروج من بيت الطاعة، كما يقال.
لقد رأت هذه الجهات في رابطة الأدباء والكتاب وفي نقابة المحامين تشكيلين يمثلان تجمعاً لنخب واعية، طلائع تعي دورها المناط بها اجتماعيا وثقافياُ وتنحاز إلى الوطن باعتباره ساحة للحرية.. مشروعاً لحاضر يتجدد باستمرار بالنقد الديمقراطي البناء وعبر المبادرات الحرة لأبنائه في الإصلاح والتطوير لكي يتفتح باتجاه مستقبل أكثر إشراقاً.
لذا كانت هذه الجهات تضع العوائق شيئاً فشيئاً ثم أقدمت بعد ذلك على ما أقدمت عليه. بدأ الأمر مع رابطة الأدباء والكتاب.. وتصورت أن التدخل في شؤون الرابطة ثم وضع شروط عضوية جديدة بل ووضع اليد، كل ذلك حق مطلق لها.
إن تلك الإجراءات هي إجراءات باطلة قانوناً حتى بالنسبة للتشريعات السائدة والمعتمدة, بل وبكل المقاييس تعتبر غير عقلانية.. وجاءت بالخيبة والمرارة عندما لم تراع الحقوق المشروعة .
فما الذي يعنيه ذلك التعميم الشهير سيئ السمعة عندما وضع الشرط الذي يشير إلى ألا يكون قد صدر ضده ـ أي من يتقدم إلى العضوية الجديدة – حكم بالإدانة في جناية أو جنحة تمس أمن واستقرار النظام الجماهيري القائم على سلطة الشعب، بل وأن يرفق بطلب الانتساب للعضوية مجموعة من المستندات, أولها هي شهادة بالحالة الجنائية تثبت عدم إدانته الأمنية, وثانيها التعهد الكتابي بالالتزام بفكر النظرية العالمية الثالثة والنظام الجماهيري.
ألا يعني ذلك وضع العقبات والحواجز أمام بعض الأدباء والكتاب والمثقفين, الذين صدرت في حقهم أحكام مجحفة بعضها من قبل محاكم استثنائية وبقوانين استثنائية وقضاة استثنائيين وبإجراءات وظروف استثنائية لم تراع فيها حقوق البشر الأساسية, عندما يتعرضون للمساءلة القانونية, من إجراءات القبض والتحقيق وسير المحاكمة.
بل ألا يعني ذلك التشكيك والاتهام والإدانة لجميعهم بمفهوم يخالف القاعدة القانونية الإنسانية الأساسية, وهي: أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته إلى قاعدة الإدانة أولاً ثم على المتهم أن يثبت براءته.
وإذا كان الأمر يخص البعض فقط، وهم أعضاء بالرابطة, أي الذين ليس بإمكانهم الحصول (وحتى تاريخه), على شهادة براءة بصفحة بيضاء خالية من أية كتابة, وذلك بسبب التدوين الدائم للأحكام التي أصدرتها محكمة الشعب بحقهم, فإن الأمر يكون قد دبر عمدا وعلى النهج الدرامي التقليدي في الروايات البوليسية: يكون الجميع ـ وهم هنا جميع أعضاء الرابطةـ موضع شك وريبة واتهام إلى حين إحضار ما يفيد البراءة (التعهد والشهادة). وعندما يضبط المذنب ـ وهو هنا أعضاء الرابطة المحكمون في قضايا سياسية فقط ـ بذنبه (عدم القدرة على إحضار شهادة البراءة), تفك العقدة وتنشرح الصدور وينتهي الحدث بمنح البقية صك البراءة.
وهكذا يتحقق الغرض الرئيسي من الرواية, وهو ضرورة اشتراط وجود متهم ووجود أبرياء. المتهم تشترط مقاضاته (بإقصائه من الرابطة), ووجود أبرياء تشترط براءتهم بموافقتهم ضمنيا, في حالة القبول (بإعادة انتسابهم إلى الرابطة), على شروط الرؤية التعسفية لتسيير الشأن العام في أمور الاتحادات والنقابات والروابط ومجمل مؤسسات العمل المدني, ويكون لما حدث المعنى والمغزى المراد استمراره: وهو تمييز الأدباء والكتاب الليبيين وعزلهم عن بعضهم البعض, باعتبار البعض منهم يمثل الشر, والبعض الآخر يمثل الخير إذا اتبع العلامات المرسومة, إلى جانب تحمل المسؤولية تاريخيا عما جرى وما حدث, بما فيه إقصاء زملائهم والقبول بالنتائج المترتبة في عدم الاستقلالية الذاتية وتغييب المبادرة المسؤولة وتقنين وضبط المشاركة العامة لهذه الرابطة إحدى أهم التشكيلات التوسطية التي تمثل ضمانات الحرية بين المواطنين الأفراد والجماعات وبين الدولة, و التي بدون هذه الحقوق لا معنى لتواجدها؛ لأنها تحرم من دورها الطبيعي ومن حقها الطبيعي.
إن الشروط الأمنية هنا, تحدث تعديلا بل انقلابا سلبيا في المفاهيم وفي المعايير الموضوعية الإنسانية التي تمكننا من تقدير وتقويم أعمال وأفعال البشر, فالقاعدة القانونية العامة هي التي تعتبر المذنب هو من يرتكب أفعالا تخالف القانون السائد وفقا لبنود محددة, ليصبح الأمر أو التعديل, واعتمادا على مقاييس غير عقلانية, إلى اعتبار المذنب هو من كان محتملا أن يكون مذنبا بسبب مواقفه أو وجهات نظره. أو كما يعرف هذا التعديل, في أدبيات السياسة, بتحول الإدانة من الفعل المشبوه الخاطئ الواقعي إلى الإدانة للنوايا المحتمل أن تؤدي إلى الفعل المشبوه الخاطئ, والتي يتم تقديرها بمقاييس اعتباطية.
إن مفهوم الأمن في شروط الانتساب إلى الروابط والنقابات والجمعيات, أو في السماح بتشكيلها, ما هو إلا تغييب للكلمة الحرة وللمشاركة الحرة وللمبادرة الحرة، ولا يعنى شيئا غير تقييد الكلمة والفعل في إجراءات وقوالب مرسومة ومحددة مسبقاً، عبر الضغوطات النفسية التي تكبل المرء وتشل فاعليته, بوضعه منذ البدء داخل دائرة الشك والريب, وبالتالي إلغاء أهم حقوقه الإنسانية الأساسية في الأمان والطمأنينة.
وكان ما حدث .. في رابطة الأدباء والكتاب: صارت الترشيحات أو التصعيد للأمانة العامة, فيها, تتم بالتعيين أو بما يشبه التعيين. والذين صاروا يتولون إدارة أمانتها هم أناس مرشحون سلفا بالتزكية, لهم شهادات حسن سيرة وسلوك, ممنوحة لهم من قبل من يدير ويشرف على الروابط والنقابات والاتحادات، ويتحكم في شؤونها, حيث لا علاقة لمثل أعضاء هكذا رابطة أو نقابة, أقصى عنها أدباء وكتاب, وهم من المفترض إخوتهم وزملائهم, بدون أن يرتكبوا ظلما ولا جريرة, ليس لهؤلاء الأعضاء الجدد أهلية قانونية شرعية لأن وجودهم مقترن بغياب الاختيار الديمقراطي.
ومثلما جاءت القرارات والإجراءات العملية المترجمة لها معيبة واقعاً فإنها معيبة قانوناً، والعيب القانوني فيها ظاهر جداً؛ لأن في جوهرها يكمن ما يسمى باغتصاب السلطة في القانون، وذلك عندما تتصرف جهة معنية خارج اختصاصها, أو تتدخل في مسائل ليست من اختصاصها بحكم نصوص القانون.
ويحدد في القانون الإداري اغتصاب السلطة بفرض أجندة محددة أو مفاهيم معينة في شؤون تخالف القانون السائد. ومن حيث الوقائع فإن ما تم من قرارات وإجراءات, كوضع اليد, وتغيير طبيعة شروط العضوية, ثم ما حدث في التصعيد لأمانة الرابطة, وعدد من شارك, وطبيعة المشاركين أصلاً من حيث صلتهم بالثقافة والأدب, ناهيك عن كيفية اختيار أمين للرابطة غائب أبداً لم يحضر تصعيد اختياره ولا يأتي إلى مقرها ولم يمثلها في أي نشاط .. كل ذلك أدلة دامغة وكافية لتأكيد سلبية ما تم من إجراءات.
وبالنسبة للتحرك الذي تم، ووفقا للوثائق المرفقة والموجودة في هذا الكتيب, في هذا الشأن, ونعني الاعتراض الرسمي على ما حدث بالرابطة, هو إقدام عضوين من أعضاء الأمانة العامة لرابطة الأدباء والكتاب, الموجودين بصفتهما,على رفع طعن 17 , ضد هذه القرارات والإجراءات, والتي جاءت مخالفة للقانون رقم 23 لسنة 1428 بشأن النقابات والاتحادات والروابط المهنية ولائحته التنفيذية وكذلك مخالفتها, ومن خلال تعميم لنظرية الحق المكتسب الذي لا يجوز المساس به, لأعضاء الرابطة ومنهم أعضاء الأمانة الذين اكتسبوا عضويتهم حسب التشريعات واللوائح النافذة.
ولم يأخذ الطعن سوى درجاته القضائية الابتدائية فقط.. ولكن جاء الحكم فيه معيبا ووفقا لقواعد قانونية مستقرة, حيث أن الحكم القضائي اعتبر قرارات أمانة مؤتمر الشعب العام لا تحوز شروط القرار الإداري, وإنما هي عبارة عن تعليمات لجهة الإدارة أو لجهة معينة وهي المنفذة للقرار.
والواقع أنه ليس كذلك، فما صدر هو قرار يأخذ على الأقل شكليا شكل القرار الإداري بل وموضوعيا أيضا؛ لأنه حاز من الناحية الواقعية فاعلية إحداث الأثر، وحيث ترتب عليه تغيير في أوضاع مؤسسة طال أعضاءها الإقصاء وشروط الانتساب إليها التعديل. أليس هذا القرار قرارا إداريا؟! ومع هذا فليس الحكم هنا هو مربط الفرس.. ففي نقابة المحامين أيضا حصل ذلك وطعن المحامون كمحاولة للدفاع عن مؤسستهم و للأسف آل طعنهم إلى ما آل إليه طعن رابطة الأدباء والكتاب, وإن اختلفت الأسباب التي تم تأسيس الحكم القضائي عليها.
وتظل هذه المسألة مسألة جدل قانوني..وتظل من الناحية الإجرائية قضية قابلة للاستئناف ـ الذي لم يتم بعد ـ وتطال قواعد قانونية وتشريعات عديدة, فكيف ينص القانون على وجود نقابة أو رابطة أو جمعية أهلية ثم يهمل حقوقها ولا يؤكدها, بل وكيف يمكن أن يبدل القانون ويعدل ويغير كيفما شاءت جهات وحسب اتجاه التحرك الذي تتقصده وعن طريق قرارات أو تعليمات وبما يلغي في الجوهري وجود نقابة ورابطة ولذا فلا بد أن تكون الأحكام معيبة وواضحة التهافت والبطلان.
إن القيام بإصدار قرارات إدارية سياسية واتخاذ إجراءات عملية لحل رابطة الأدباء والكتاب, وإعادة بنائها (بالشكل الصحيح !!)؛ لكونها فقط إحدى أهم الروابط العاملة, هو سبب ـ إذا ما اعتبرناه تجاوزا سببا ـ غير واضح وغير كاف ومبرر مبهم.
فأين هي المعطيات والبيانات الواقعية التي استندت إليها هذه القرارات والإجراءات لتعيد بناء الرابطة بالشكل الصحيح.
وما هي أسس التقويم العلمي الموضوعي الذي استنطق حركة الرابطة عبر إسهام أعضائها, كتابة وحواراً وخطوات عملية إجرائية في مناشطها العامة, من إصدارات صحف ومجلات أو ملتقيات وندوات وأمسيات أو مهرجانات ومؤتمرات, بطرح قضايا أدبية وفكرية وثقافية, وليتبين أن كل ذلك لم يكن بالشكل الصحيح.
وما هي المعايير الموضوعية العلمية: أدبيا وفكريا وثقافيا التي على ضوئها يتبين الشكل الصحيح.
وما هو الصحيح أصلا.
وبأي السبل يمكن معرفة طريق المستقبل الجميل إذا غاب الحوار الصريح العقلاني, الجاد و المسؤول.
و بأي أناس يمكن التطوير إذا تم إقصاء المعنيين بالأمر.
إن المعنيين برابطة الأدباء والكتاب هم أعضاؤها, في المقام الأول, الذين برهنوا على اقتفاء السلوك الديمقراطي انضباطا أخلاقيا ذاتيا, حسب ما تؤكده محاضر مؤتمراتهم العامة, التي عقدوها في أجواء ديمقراطية حقيقية, من منطلق الوعي بأن الالتزام بالعمل الجاد, في إثراء الحياة الثقافية, لتحقيق المشاركة الفاعلة في بناء الوطن, لابد أن يعتمد على تضافر الجهود بتخطي التلقائية والعفوية إلى الفعل الديمقراطي الجماعي المنظم.
وقد انعقد المؤتمر العام الأول للكتاب والأدباء الليبيين الأول 18 , بجهود جماعية مشتركة , خلال الفترة 18ـ19/11/2000 وحضره حشد كبير من الأدباء والكتاب جاؤوا من مختلف المناطق .
وتعرض تقرير أمانة الرابطة في المؤتمر 19 , إلى الوضع المالي حيث اعتمدت الرابطة من حوالي العام 1998 على ما في رصيدها من الأمانة السابقة, وبعض الهبات والتبرعات من أمانة شؤون النقابات وغيرها في مناسبات مختلفة, وعائدات مجلة (لا) وإعلاناتها, قبل توقفها بسبب الرقابة, منذ أكثر من سنة, وعائدات توزيع (مجلة الفصول الأربعة). وبإلغاء أمانة الإعلام والثقافة التي كانت تتكفل بمهام الإيفاد وطبع ومكافآت مجلة (الفصول) وطبع مجلة (لا), توقف الدعم وصارت الرابطة تتحمل المصروفات وحدها, ومنها تكلفة الأعداد الخمسة الأخيرة من مجلة الفصول.
و أشار التقرير إلى أن هناك جوانب نقص كثيرة, وأن الإمكانيات لم تتح مزيدا من العطاء, فقد حاولت الرابطة إصدار كتاب الفصول, والكتاب الأول للمبدعين, ونشرة نصف شهرية, ومجلة شهرية, ولكن الصعوبات المالية وتعثر الطباعة وعدم توفر كادر متفرغ, وعوامل إدارية لها علاقة بجهات خارج الرابطة, كل ذلك حال دون الإنجاز.
و كان موضوع فروع الرابطة من أهم الموضوعات التي نوقشت في المؤتمر, لأهمية تنظيم عمل الرابطة, حيث أنه عند التصعيد الأخير للأمانة الحالية اعتمدت فروع للرابطة في كل من: بنغازي – مصراته – الزاوية – هون- درنة- سبها – طرابلس, وهو اعتماد شكلي غير مطابق لقانون النقابات والاتحادات والروابط المهنية. ذلك لأن هذا القانون يشترط لإنشاء أي فرع للنقابة أو الرابطة عدد (100) مائة عضو مسجلين فيه من حاملي بطاقات العضوية، المسددين رسومها المقررة, غير أن هذا العدد نفسه لم يبلغه أي فرع حسب التسجيلات المعتمدة في الأمانة العامة، كما أنه لم يلحظ نشاط ما في هذه الفروع إلا قليلا منها، وحيث يصبح من العبث أن يطلب من مناطق صغيرة مثل هذا العدد مما يفتح الباب أمام كل من ليس له أدنى علاقة بالكتابة ولا الأدب ليدخل هذا المجال 20 , هؤلاء الذين يظهرون فقط في التصعيد ليكونوا فرعا يحصل على امتيازات تستند إلى تأثيرات جهوية سلبية. وبما أن للأدباء والكتاب في الجماهيرية وضعا خاصا يتمثل في قلة عدد من تنطبق عليه شروط العضوية, توجب الأمر المناقشة المستفيضة للبحث عن شكل تنظيمي أكثر تناسبا للعمل الثقافي الجاد.
وبعد استعراض النشاطات الثقافية التي نظمتها الرابطة و التي شاركت فيها في الداخل والخارج, بدأت مناقشة التقرير بندا بندا. وقد تميزت المناقشات بالجدية والجرأة, وتوصل الحاضرون إلى مجموعة من القرارات:
1ـ إلغاء فروع الرابطة لعدم تطابق تكوينها مع قانون النقابات والروابط المهنية الصادر سنة 1428 ولائحته التنفيذية, وإنشاء مكاتب حسب تواجد النشاط 21.
2ـ ملء الفراغات بالأمانة العامة.
3ـ انعقاد المؤتمر العام سنويا.
4ـ تشكيل مجموعة لجان: وضع اللائحة الداخلية ـ شؤون المطبوعات والنشر ـ الشؤون الثقافية ـ إعداد مذكرة بخصوص الدعم المالي ـ وضع قواعد عضوية الرابطة ـ واللجنة الاستشارية لمجلة الفصول الأربعة.
وأوصى المؤتمر بما يلي :
1- مناشدة الجهات المسؤولة إعادة النظر في مسألة عرض مجلة (لا) على الرقابة قبل الطبع.
2- أن يكون للرابطة رأى في ما يتم اختياره من نصوص أدبية ليبية في المناهج الدراسية.
3- التنسيق مع (الدار الجماهيرية ) في ما يتعلق بتقويم ما يقدم إليها من مخطوطات للنشر.
4- مخاطبة الجهات المسؤولة من أجل دعم الرابطة ماليا.
5ـ وضع ضوابط ومعايير للأعضاء المشاركين في وفود أو نشاطات خارجية.
6- وضع برنامج سنوي لنشاط الرابطة من مهرجانات وندوات على أن يتم توزيعها على المناطق والشعبيات.
7- وضع برنامج استثماري يمكن الرابطة من الحصول على عوائد مالية لتمويل أنشطتها.
8- تشكيل لجنة لإحياء ذكرى رواد الحركة الثقافية في بلادنا والتعريف بهم وإعادة طبع آثارهم.
9- استحداث جوائز للإبداع الأدبي تطلق عليها أسماء رواد الحركة الثقافية.
10- تقديم مشروع إلى مؤتمر الشعب العام بشأن تفرغ بعض أعضاء الرابطة لإنجاز أعمال إبداعية وفكرية.
11- دعوة الجهات العامة لتشجيع إنتاج الكتاب الليبي وطباعته وترويجه في الداخل والخارج.
12- عقد ندوات لمناقشة جوانب القصور والتقصير في إبراز دور الأدب والكاتب الليبي على مختلف المستويات.
و بعد انتهاء المؤتمر, تم تقديم طعن 22 في بعض الإجراءات التي اتخذت وبالخصوص قرار إلغاء فروع الرابطة وإنشاء مكاتب حسب تواجد النشاط، كذلك ملء الفراغات بالأمانة العامة, باعتبار أن إجراءات التصعيد تمت بطريقة مخالفة للقانون وللوائح الصادرة من أمانة مؤتمر الشعب العام.
وبعد التداول صدر حكم محكمة الشعب بالدائرة الابتدائية بتاريخ 24/1/2001 بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع برفضه وبصحة التصعيد الذي حصل برابطة الأدباء والكتاب, ثم وبتاريخ 18/9/2001 أيدت الدائرة الاستئنافية الحكم 23.
والمعلوم أنه كان قد تم الاعتماد الشرعي لملء الفراغات بالأمانة العامة لرابطة الأدباء والكتاب من قبل أمين شؤون النقابات والاتحادات والروابط المهنية بأمانة مؤتمر الشعب العام 24 حسب الرسالة الصادرة بتاريخ 19/12/2000.
والغريب أن القرار رقم (59) بإعادة بناء الرابطة العامة للأدباء والكتاب وإعادة النظر في نظامها الأساسي, أكد على صحة قرار الرابطة الشرعية التنظيمي بإلغاء الفروع واستحداث مكاتب بدلا منها, وذلك عندما منح استثناء للرابطة عن بقية الروابط والنقابات في ما يخص العدد اللازم لتكوين الفرع بتقليصه من 100عضوا إلى 20 فقط , بل وأعتبر المنتسبين الذين يقل عددهم عن ذلك في شعبية ما أعضاء في اقرب فرع لهم ويمكن تكوين مؤتمر فرع من أعضاء عدد من الشعبيات التي لا يتوافر لها النصاب المذكور. هذا بالرغم من أن أمين الشؤون القانونية وحقوق الإنسان بأمانة مؤتمر الشعب العام كان يرى بأن إلغاء الروابط الأساسية في الشعبيات وتأسيس مكاتب بدلا منها مخالف لقرارات أمانة مؤتمر الشعب العام 25 .
وأما المؤتمر الثاني فقد خصص لإعداد مذكرة بمطالب الرابطة بناء على طلب أمانة مؤتمر الشعب العام مشاركة النقابات والروابط والاتحادات في إعداد بنود لمناقشتها في جلسات المؤتمرات الشعبية الأساسية.
وانعقد المؤتمر الثالث 26 خلال الفترة 30 /10ـ 1 /11/ 2001 وبعد الاستماع إلى تقرير الأمانة المشتمل على كافة الأنشطة والوضع المالي وأعمال اللجان وإنشاء مكتب ثقافة الطفل, كان الحوار وتبادل الرأي. وقد حظيت مجلة الفصول الأربعة باهتمام خاص, باعتبارها قد أصبحت المطبوعة الوحيدة التي تصدرها الرابطة, حيث دارت النقاشات حول ضرورة رفع مستوى أدائها الفني, وتوثيق علاقتها بالعصر في موادها رؤية ومنهجا, وبما يجعلها ساحة للثقافة الليبية بتنوع أصواتها وتياراتها وأجيالها وفضاء للحوار الجاد الواعي ومنبرا للنقد الموضوعي من أجل مساهمة أفضل في خلق ثقافة تنويرية متجددة.
وتوصل الحاضرون إلى القرارات الآتية :
1ـ وضع قواعد الإيفاد.
2 ـ تشكيل لجنة لوضع النظام الأساسي.
3ـ تسمية لجنة تحرير الفصول الأربعة.
4ـ تحديد رسوم عضوية الانتساب للرابطة.
وكانت توصيات المؤتمر على النحو الآتي :
1- يثمن المؤتمر العام الجهود المبذولة من طرف أعضاء الأمانة العامة ولجانها ومكاتبها.
2- عقد اجتماع لجنة العضوية والبت في استمارات العضوية المقدمة إلى اللجنة ودراسة مقترح ( العضوية المحلية ) في الشعبيات.
3- إنشاء موقع للرابطة بشبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) ودعوة الأدباء إلى تقديم البيانات الضرورية لهذا الغرض.
4- مجلة ( الفصول الأربعة ) تعبر عن مجمل النشاطات الفكرية والأدبية في الجماهيرية، وبالتالي يتعين أن تعبر عن هذه النشاطات فيما تنشره من مواد.
5- إقامة ندوة حول مجلة ( الفصول الأربعة ) بمناسبة صدور العدد مائة.
6- توجيه مذكرة إلى الجهات المسؤولة بخصوص إعفاء مجلة الفصول الأربعة من مرورها على إدارة الرقابة على المطبوعات مع رفع قضية للطعن في قرار أمانة الإعلام والثقافة الإداري الصادر بالخصوص.
7- تفعيل العلاقات الخارجية مع الاتحادات وروابط الكتاب العربية والإفريقية والعالمية وتوسيع دائرة المشاركة الخارجية.
و في جلسة استثنائية يوم 28/4/ 2002 عقد المؤتمر العام الرابع 27و28 لرابطة الأدباء والكتاب لمناقشة تقرير مقدم من أمين الرابطة 29 عن ظروفها ومسيرتها حيث أكد على أن البداية كانت واعدة بحكم احتضان المجتمع للرابطة ولكنه ما لبث أن طغى الفتور على مسيرتها ونشاطها بحكم تخلى المجتمع عنها ماديا ومعنويا، حيث أن الأمانة العامة حاولت قدر ما تستطيع أن تحقق شيئا خلال الفترة الماضية التي امتدت إلى خمس سنوات وهى مدة كانت كافية. لكن الملابسات التي أحاطت بالرابطة ونشاطاتها في هذه الفترة حالت دون أن تتمكن من تحقيق الكثير مما كانت تأمل فيه وتصبو إليه, رغم نشاطاتها, خاصة مع ظروف أعضاء الأمانة من حيث أنهم موظفون في أماكن أخرى، ولم تتمكن من تفريغهم للعمل بهذه الرابطة، الأمر الذي لم ييسر سير العمل والقيام بالواجبات المنوطة بالرابطة، حتى بالأمور الأساسية مثل الصيانة والأثاث والمقهى والمكتبة والقسم الفني.
وأكد الأمين العام للرابطة بأنه لا يمكن أن يتم عمل شيء دون تغيير النظرة إلى الرابطة بشكل عام، حيث لا يوجد دعم مالي من أية جهة. فاعتمدت الرابطة في فترة ما على المساعدات الآنية، وإيرادات مجلة (لا) من الإعلانات ولكن هذه المساعدات انقطعت ومجلة (لا) توقفت، وكذلك إلغاء أمانة الإعلام التي كانت تساعد الرابطة بشكل جيد. وبذلت العديد من الجهود عن طريق المذكرات المكتوبة والاتصال المباشر ولكن من دون جدوى. بل حتى الاشتراك التشجيعي الذي تعهدت به عدة جهات لم تتمكن الرابطة من تحصيله، علما بأنها تتحمل بصعوبة بالغة مكافآت العاملين بالمقر وعلاوة مهمات الوفود وكثيرا من المصروفات الأخرى، زيادة على الرسوم العامة التي تتحملها ميزانية الرابطة الهزيلة. ودعا إلى وقفة جادة تجاه هذا التقصير في حق الرابطة من حيث الدعم وضرورة الدفاع عن الثقافة بكل الوسائل؛ لما لذلك من أثر سلبي على مسيرة المجتمع الحضارية بشكل عام.
وبعد المناقشة و الحوار أكد الأعضاء على أهمية نشر التقرير في الصحف وتعميمه عن طريق وسائل الإعلام للتعريف بالرابطة والظروف التي تواجهها، والمعوقات التي تعترض طريقها، إلى جانب مناشدة أمانة مؤتمر الشعب بضرورة تقديم الدعم المالي والمعنوي.
وبعد المؤتمر الرابع بدأت مجادلات ونقاشات وحوارات طويلة عبر لقاءات متعددة, ثنائية وجماعية, في الأوساط المعنية بالشأن الثقافي بشكل عام, وأعضاء الرابطة بشكل خاص, تبحث في مسألة تشكيل الأمانة القادمة, خاصة وبعد أن تقرر بقاء الأمين حتى المؤتمر القادم للرابطة فقط، حيث سيتم تشكيل أمانة جديدة.
ومن أجل التنسيق والتعاون في تشكيل الأمانة القادمة, اقترحت أسماء جديدة مختلفة أحيانا ومتكررة في أحيان أخرى. ومضى الوقت.. إلا أنه لم يتيسر الأمر لانعقاد المؤتمر الخامس, رغم جهود ومحاولات البعض منهم في ترتيب انعقاده الذي ارتبط عند البعض الآخر بمسألة التصعيد لاختيار أمانة جديدة, حسب المقرر, ولذا كان الانتظار مع الأمانة القائمة للتوجيهات المتوقعة من طرف أمانة مؤتمر الشعب والتي طلبت الجهات ذات العلاقة فيها حسب ما تداول في تلك الفترة بتأجيل التصعيد الذاتي حيث سيتم تحديد موعد التصعيد من قبلها وبإشرافها. ومما أربك الأمين العام للرابطة في اتخاذ موقف واضح بين الاستقالة وتخويل صلاحيات منصبه إلى الأمين المساعد من جهة 30و31 وبين الاستمرار فعليا في عمله من جهة أخرى إلى حين ساعة قدوم لجنة وضع اليد وإخراجه مع العاملين الحاضرين منها.
و نشير هنا, في ذات السياق, إلى أهمية المقالات, التي نشرت في صحيفة (المشهد) 32 و(الجماهيرية) 33 وغيرها من الصحف, في تلك الأثناء, وتناولت وضع الرابطة, والأسس التي يجب مراعاتها عند اختيار الأمين وأعضاء الأمانة, والقضايا التي تحتاج إلى المزيد من العناية والبحث في المسألة الثقافية الليبية, وكانت المناقشات صريحة وعميقة, جادة وجارحة, وكانت الآراء تتفق في نقاط وتختلف في أخرى, رؤية وزوايا نظر ومعالجة منهجية.
ولأول مرة, وعكس روابط ونقابات واتحادات أخرى, يدور الحوار ويقال الرأي, في النور والعلن, حول الرابطة وأمورها وتشكيل أمانتها, مما يعبر ويؤكد الحيوية الديمقراطية لطبيعتها.
فالبعض حث الأدباء والكتاب على الانشغال أكثر بموضوع الأمانة الجديدة التي ستتشكل والى مشاركة أكثر فاعلية بالوقوف معها ومساندتها وفي الوقت نفسه محاسبتها والعمل دون جنوحها وضرورة تحديد فترتها الزمنية, وبالخصوص فترة الأمين. بل وطالب البعض الآخر بضرورة تصعيد أمانة تلتزم بالدفاع مسبقا عن حرية الثقافة وعن أصحاب الرأي فيما لو تعرضوا إلى أية ضغوط.
وهناك من وصف الرابطة بأنها مجرد مقر لإيواء الغبار بسبب غياب فاعليتها تاريخيا في الداخل والخارج وتراكم الفشل حيث ظلت تعزف دون غضاضة عن المشاركة في نسج الجمال وتطريز الحلم الإنساني.
وحذر آخرون من اختزال التصعيد في مطالب فردية كفرصة المشاركة الخارجية وغيرها من شعارات لا علاقة لها بالسؤال الثقافي، أو من تحويل القضية الأساسية إلى قضايا جانبية مثل صراع الشباب والكهول والشيوخ، وبدلا من الجنوح إلى التصنيف والاستعداء يتوجب الارتفاع إلى مستوى أرقى موضوعيا يخدم القضية المركزية وهي (مسألة الثقافة)، والمشروع الوطني للنهوض بها من عثراتها وإرباكاتها وتعقيدات مسارها، فصلاح أمرها وتطويرها يتم بالفعل الايجابي في الواقع الموضوعي والتي لا تصلح إلا إذا صلح.
وأشارت آراء إلى أن أهم المسائل التي يتوجب تبنيها في المرحلة القادمة هي مسألة حرية الصحافة فالصحف التي تصدرها المؤسسة العامة للصحافة أو غيرها هي نسخ لصحيفة واحدة مكررة وباهتة تتحاشى القضايا الجادة وتمتنع عن نشر الرأي الصريح الذي يستهدف معالجة السلب والتغيير في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولذا فإن إصدار الصحف الخاصة صار من لزوم التحول الذي طال مجمل الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وتم أيضا تناول قضية الرقابة على النشر وما يعانيه الكاتب من ازدواجية على مؤلفاته، حيث يراقب الناشر الكتاب ثم الرابطة ثم إدارة الرقابة على المطبوعات. ودعا إلى إلغاء كل أنواع الرقابة وحتى رقابة الرابطة ولو كانت فنية كما يزعم البعض.
وفى هذه الأثناء وللأسف, ارتكبت أفعال مريبة كثيرة تستهدف التشويش وتعكير الأجواء الإيجابية والتدخل في شؤون الرابطة.. فإذا بأناس عاملين بإحدى الإذاعات المحلية, يوزعون استمارات نماذج العضوية الخاصة برابطة الأدباء والكتاب رغم أنه لا علاقة لهم بالرابطة, لا من قريب ولا من بعيد, لم يكونوا من أعضائها و ليس لهم علاقة بالحياة الثقافية.. وعندما سئلوا عن مصدر النماذج وأسباب توزيعها أجابوا بأنه توجيه من شعبة التثقيف باللجان الثورية التي لم تؤكد الخبر ولم تنفه, ورغم تسريب أخبار عن تنظيم الشعبة لاجتماعات ووضعها لجانا للتحريض على إجراء تغيير لأعضاء وأمانة الرابطة.
وأيا كانت الجهة المسؤولة عن ذلك فقد تبين أن هناك مؤامرة بدأت تحاك ضد الرابطة لأغراض مريبة.. وزعت النماذج على أعداد كثيرة، وفي جهات متعددة.. ومنها الجامعات. فقد تبنت الجهات التي بدأت تتدخل في شؤون الرابطة موضوع انتساب كل الأكاديميين من أساتذة الجامعة وحملة الشهادات العليا إلى الرابطة, هؤلاء الذين لا تجد لهم أية طلبات في السابق للانضمام إليها.. ولا يعرف عنهم اهتمام بالهم الثقافي العام ولا يحضرون أو يشاركون في مناشطها رغم الدعوات المتكررة لهم, ومع ذلك حاول البعض زيفا الحديث عنهم بأنهم ظلموا واستبعدوا من الرابطة.
وما يقدم في المدارس والجامعات من مناهج ونظريات أدبية فكرية وعلاقتها بروح العصر وبقضايا المجتمع الحقيقية وبأسئلة مبدعيه وانتاجاتهم في هذه الحقول, لا يعطي انطباعا إيجابيا لصالح الأكاديميين الليبيين, يؤكد الرغبة الجادة في الانتساب لهذه الرابطة, أو غيرها من المؤسسات المدنية أو الأهلية, رغم احتياج المجتمع الليبي للجهود التطوعية من جميع أبنائه وخاصة المتعلمين وبالذات الحاصلين على الشهادات العليا من الداخل والخارج. أما إذا كان المقصود الأكاديميون المتخصصون في الثقافة السياسية والفكر الثوري فالمعروف أن لهم منابرهم الخاصة والواسعة, ومع ذلك فلم ترفض لهم مشاركة في مناشط الرابطة الأدبية والثقافية.
فأي من الأكاديميين الليبيين ذوي الفاعلية رفضت مشاركته؟!
بل وكثيرا ما شارك أساتذة أكاديميون عرب إلى جانب إخوتهم الأكاديميين الليبيين, في نشاطات وفعاليات الرابطة. وليس بالإمكان هنا, بالطبع, ذكر أسماء جميع الأساتذة الأكاديميين الذين شاركوا في مناشط الرابطة المتعددة, ولكن المراجعة لوثائقها وأرشيفها ومطبوعاتها, كافية لتؤكد بأنهاـ أي الرابطة قد كانت على الدوام منبرا مفتوحا للمثقفين والأكاديميين المهتمين بالشأن الأدبي الخاص والشأن الثقافي بشكل عام.
وبالطبع هناك أكاديميون أعضاء رسميون بالرابطة ليس لأنهم حملة شهادات عليا فقط أو يدرسون في الجامعة ولكن لكونهم أولا ذوي حضور أدبي وفكري وثقافي فاعل وإيجابي في الحياة الليبية الثقافية الأدبية والفكرية والعلمية.
وفي أثناء هذا الانشغال تفاجأ الجميع, وهم يستعدون لتشكيل أمانة رابطتهم , ولتسيير أمورها وتقديم أجندة لمسائل وموضوعات جديدة لتطويرها ولمشاركة فاعلة وأفضل, بقرار أمانة مؤتمر الشعب العام بالإقصاء الصريح والتعسفي من الرابطة وبالتحديد لجماعة محددة من هؤلاء الكتاب والأدباء, ولتطلب من البقية ضرورة تقديم تعهد بولائهم أولا قبل أن تتم الموافقة على قبول انتسابهم إلى الرابطة التي ستشكل حسب الوضع الذي رسم لها من الأمانة.
هكذا وبينما كان أعضاء الرابطة, من الأدباء والكتاب ومعهم المهتمون بالشأن الثقافي, يتباحثون في أمر ما يجري من تدخل ضد الرابطة:
ما هي الخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها ؟
هل يدعون إلى اجتماع لإصدار بيان إدانة ؟..
وهل يكفي البيان أم الضرورة تتطلب عقد مؤتمر عام ؟.
ماذا .. وكيف .. ولماذا ؟!!
لماذا غاب صوت أمين الرابطة .. فلم يقدم تقريرا أو يدعو إلى اجتماع للأمانة التي يرأسها أو المؤتمر العام بخصوص اللجنة, التي شكلتها أمانة مؤتمر الشعب العام, برئاسة أمين الشؤون الثقافية والتعبئة الجماهيرية, وكان هو وأمين الرابطة عضويين من أعضائها ؟!.
ماذا بحثت اللجنة .. وماذا ناقشت . . ؟!
ولماذا تأخر الإعلان عن التصعيد من أمانة مؤتمر الشعب العام ؟!
ولماذا ترتبك أمانة الرابطة ولا تتخذ مبادرة ذاتية في الدعوة إلى إجراء التصعيد, رغم مخاطبتها الجهات الرسمية بالخصوص ؟!.
هكذا.. وجرى ما جرى وحدث الذي حدث: وضعت اليد على الرابطة فأقفل بابها بالسلاسل الحديدية وختم بالشمع الأحمر وأقصي أدباء وكتاب ومثقفون عن الرابطة.
أكثر من ذلك لجأت تلك الجهات التي أصدرت قرار إعادة بناء الرابطة, وعندما تبين لها أن أكثر من تسعين في المائة من الأعضاء المسجلين في الرابطة رفضوا التقدم للعضوية الجديدة .. لجأت إلى طرق أخرى أقل ما توصف بها أنها طرق غير عقلانية فقد بلغ بها الأمر أن توزع ذلك النموذج الذي صدر في مكان ما على الصحفيين وتحاول عبر بعض الأشخاص إجبار الصحفيين والصحفيات على تعبئة هذا النموذج ليكونوا أعضاء في الرابطة، بل إن هذه المحاولة لم تستثن حتى موظفي الاستقبال في مؤسسة الصحافة، وكان أمرا غربيا ما حاولت أن تؤكده تلك الجهة بأن هناك كتابا بالمئات أو حتى بالآلاف.
لكن هذا ما جرى وما جرى لم نكن نتمنى أن يحدث؛ لأنه يمثل لطخة شائنة, للحقوق الإنسانية الديمقراطية, المتعارف عليها, ما كان يجب أن تظهر.
فماذا يريد، كل هؤلاء, وكل هذه الجهات, بالرابطة؟
وكيف يمكنهم بهذه البساطة الاستخفاف بشرعيتها؟
وما هي الرابطة ...؟
هل هي وسيلة أم أداة للكسب المادي, فيجد المرء في هذا الذي حدث معنى ومبررا في زمن التكالب على المال وما يجلب المال؟
وقد يجيب بعض الناس بأن الرابطة، لا تملك المال ولا الجاه, هي لا تملك إلا قوة أعضائها بالمعرفة وموهبة الأدب واجتهاد البحث، والتي لا تكسب بمثل هذه الأفعال. بل هي في ذلك عبء على أعضائها الذين يتحملون مسؤولية إدارة شؤونها ونشاطاتها ولا يتحمل ذلك إلا المتطهرون بأخلاق الأدب الأصيل والفكر الإنساني المستنير وبالروح الديمقراطية العالية.
وإذا أعدنا السؤال على الوجه الآخر.. حول ما إذا كانت الرابطة وسيلة أو أداة للقوة المعنوية.. رأسمالا رمزيا في الحقل الثقافي, منبرا ثقافيا فاعلا ومؤثرا في الرأي العام, وبما يمنحها قوة التأثير في مجمل شؤون المجتمع الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية, فقد يجد المرء المعنى الأكثر جوهرية لفهم ما جرى وما حدث.
إن الأمر يحتاج إلى بحث أكثر تفصيلا .. فلماذا تشكل صندوق التنمية الثقافية ثم صار مجلسا لتنمية الإبداع.. ولماذا أنشئت أمانة الثقافة.. ولماذا أعيد النظر في بناء الرابطة تحت شروط جديدة تعسفية, وأخيرا لماذا ظهر مجلس الثقافة العام الذي يدار من قبل مؤتمر الشعب العام..
لماذا تأخذ الثقافة, ورابطة الأدباء والكتاب بالخصوص, كل هذا الاهتمام ـ وهو أمر إيجابي ـولكن ويا للعجب, فجأة, وبعد سنوات طويلة من التهميش والتبعية للإعلام والتعبئة الجماهيرية والتوجيه المعنوي؟
هل أدركت أهميتها الفاعلة والمؤثرة في مجمل البناء الاجتماعي بأنظمته المتعددة, وتشكيلاته المختلفة, الآن, وفي ظروف تشهد طرح رؤى جديدة تستهدف تغييرات وتحولات نوعية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة, ولكن في ظروف يسود مناخاتها التوتر وتجعل من مؤسساتها بؤرة تنافس وصراع شديدين, هذه المرة, بدلا أن تكون ملتقى التنوع والتعدد, ولماذا يحسم أمرها لجهة أو لفئة تسيطر على كل مؤسساتها بدلا من إتاحة الفرصة لمشاركة أوسع تجعل عطاءها أكثر غنى وفعالية؟!.
هل لهذا الهدف تم التدخل والتغيير في الرابطة.. بإضعاف حضورها, ولتصبح نقابة أو مؤسسة هامشية, وتحل محلها مؤسسات أو جهات حكومية تدير شؤونها بما يخدم مصالحها ويعزز حضورها المسيطر ويمكنها من الاستحواذ على دورها وإبطال فاعليتها كمؤسسة أو رابطة لها حق المشاركة الحرة المسؤولة.
هذا ما جرى وما جرى لم نكن نتمنى أن يحدث, برغم أن الكثير من الكتاب والأدباء تنبأوا به.. فمجلة (لا) تم نحرها بقرار ضرورة عرضها على إدارة الرقابة على المطبوعات, للحصول على موافقتها قبل النشر وليس بعده كما ينص القانون. ثم الذي جرى على مجلة (لا) جرى على مجلة (الفصول الأربعة) رغم أن الفصول الأربعة مجلة متخصصة في شؤون الثقافة والأدب والفكر إبداعا وبحثا, وتختلف عن مجلة (لا) التي تتناول الثقافة في أبعادها الثقافية الاجتماعية ككل, وتفتح ملفات جريئة في شؤون وأوضاع الصحافة الليبية 34 وكشف التزييف والتزوير الثقافي بفضح السرقات الأدبية والفساد الاقتصادي و الإداري وكذلك مخاطر المحسوبية والقبلية والجهوية ومشاكل التعليم والصحة وبالأخص ملف الإيدز 35 الذي طرح مشكلة الأطفال المصابين بالجملة, ولأول مرة, وأثار جدلا كبير ا36 , ونبه الدولة والناس إلى المخاطر المترتبة على عدم الوقاية من عواقبه ولتصبح الواقعة الأليمة مسالة رأى عام محلي ودولي.. إلا أن الإدارة العامة للمطبوعات طلبت أن يتم وضع ختمها على كل عدد من مجلة الفصول قبل السماح بطباعتها, وبعد حذف وشطب ما تراه من مقالات بأكملها أو بفقرات منها, وذلك لأنها نشرت مقالا في الهوية الوطنية 37 أثار غضبا غير مبرر, إلى حد الضغط عليها للاقتصار على موضوعات أدبية خالصة, بل ورفعت قضية على من كتب ذلك المقال وتعرض إلى التحقيق.
وهذه الأمور ما كان يجب أن تحدث, وما كان يجب أن تقع .. خاصة وأن المثقف الليبي, وعبر مسيرة تجاوزت الخمسين عاما أو يزيد, ظل يؤكد بكتاباته الإبداعية وممارساته الثقافية, أنه لم يكن يوما إلا منحازا ومخلصا ومؤمنا بقضايا وهموم بلاده. ولذا فإنه من الطبيعي أن تطرح الأسئلة حول لماذا وكيف وما هي أسباب صدور قرار مثل هذا القرار في بلادنا التي تعلن أدبياتها الأيديولوجية وخطاباتها السياسية أن السلطة فيها للشعب, ولذا فإنه ليس من السهل القبول بفكرة أن الدولة تطلب من المثقف أن يقدم شهادة بحسن سيرته وسلوكه في الوقت الذي كان من الممكن لو أن الظروف كانت عادلة أن يساءل المثقف الدولة, باعتباره مشارك رئيس في مراقبة الأداء العام, ويطالبها أن ترعى الحقوق وتقدم هي شهادة بحسن سلوكها.
إن ما حدث في رابطة الأدباء والكتاب وفى نقابة المحامين وأيضا في نقابة الصحفيين هو نتاج لخلل تشريعي وخلل تركيبي بنيوي تجاه العمل النقابي ومجمل عمل مؤسسات المجتمع المدني, حيث إن النظر إلى هذا العمل ظل مقيدا برؤية أحادية تستند إلى مقولة أن سلطة الشعب يجب أن تمارس في المؤتمرات فقط, وأن هذه التشكيلات المدنية النقابية هي مهنية صرفة, ولا يجب أن تتدخل في الشأن العام الاجتماعي والسياسي. ورغم أننا أحيانا نجد أراء مخالفة لهذا ومن جهات رسمية بالدولة, ورغم اختلافنا في مقاصدها لأنها قد تلغي استقلالية الرأي وتجعل بذلك من الثقافي مجرد ملحق للسياسي, ترى بأن أولى المسائل التي يجب أن تكون موضع اهتمام جميع الكتاب والأدباء ليس هموم الكاتب والأديب فقط وإنما هموم الإنسان الليبي عامة 38.
وهذا قد يتلائم ويتواءم مع بعض التنظيمات الحرفية أو المهنية التي ليست لها علاقة مباشرة بالشأن العام شكليا, ولكن قد يكون حتى هذا افتراضا مخلا, لأنه ما من نشاط بشري يخلو من مساهمة الأثر الفكري والثقافي في جوهره وبالتالي الاجتماعي السياسي مما يجعله يساهم هو الآخر بالإضافة والإبداع لطرائق جديدة في التفكير والممارسة في الحياة العامة ككل. ولأن الواقع أيضا يشير إلى عكس ذلك في بيانات النقابات و الاتحادات والروابط التي تتناول ما تمر به بلادنا من أحداث وقضايا تخص مجمل المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, بل ونجد توجيهات تحثها على إبداء الرأي والمشاركة بما يعزز بعض الخطوات التي تتخذها الدولة, بل ووصل الأمر إلى مطالبة الكتاب والأدباء بتوظيف الأدب في التفاعل المباشر مع الأحداث السياسية إلى درجة الخلط بين المفهوم الفني والأدبي وبين الإعلام المباشر وإلغاء الدور الرئيس للكاتب والأديب وهو المحدث والناقد 39 .
قلنا قد يكون حتى هذا افتراضا مخلا, ولكن أن ينسحب ذلك على رابطة الأدباء والكتاب أو على غيرها تحت ذريعة أن الهم السياسي أو الشأن السياسي لا يتم تناوله إلا في المؤتمرات الشعبية فقط, فهذا في الحقيقة افتئات على حقهم وافتئات على الرأي وعلى الكثير من الأشياء الجوهرية لأسباب وجود هذه المؤسسات والتشكيلات المدنية أصلا.
إن هذا التصور يستند إلى رؤية أحادية ذات طبيعة شمولية, تتضمن تأطير مجمل الحياة الاجتماعية, ضمن إطار الدولة, فتقيد الاستقلالية الذاتية لهذه المؤسسات والتشكيلات الاجتماعية, و بالتالي فهي تلغي التنوع والاجتهاد, وتحصر فاعليتها في نطاق ضيق جدا مما يظهرها بصورة باهتة وعلى نحو عاجز بحكم انتفاء مشاركاتها الحرة ومبادراتها الخلاقة في ممارسة حقها الحقيقي في وطن الجميع.
إن هذه الرؤية الشمولية, التي تؤدي إلى مصادرة حرية الرأي والمبادرة, هي المدخل ـ الخلل الذي أربك العمل الفكري والعمل الثقافي والعمل النقابي المدني. فكيف يمكن تصور نقابة محامين مثلا في هذا العالم كله لا تهتم بالشأن الاجتماعي السياسي, أو كيف يمكن تصور رابطة أدباء وكتاب ليس لها رأي في النظام الاجتماعي الثقافي أو التعليمي العام, بل العكس هذا الانشغال يأتي على راس أوليات مهامها ورسالتها, فكيف يمكن فصل رابطة ثقافية عن محيطها الاجتماعي بكل قضاياه ومشكلاته, حيث أن الأديب والكاتب والفنان والمفكر ليس فقط من يساهم, في الحياة العامة, عبر تقديم صياغة أخرى للواقع أدبيا وجماليا وفنيا وفكريا, بل من يعتمد الممارسة العملية كمساهم في تنظيم وبناء وتطوير النظام الثقافي للمجتمع. ولذا فالخلل الذي بدأ من هذا المنطلق أنتج خللا آخر..
ونحن عندما نوثق ما جرى وما حدث, ونناقش أسبابه, لا نطرح المسألةـ الأزمة بحثا فقط عن أصلها وجذورها فقط بل ندعو إلى إصلاح هذا الأمر وتغييره.. سعيا لفتح أبواب الأمل والعمل استنادا على تفاؤل الإرادة المعزز بالحق والقانون, إلى بناء مستقبل أفضل في هذا البلد يعتمد حرية العمل النقابي ويعطى مساحة أوسع لحق المساهمة والمشاركة وإبداء الرأي من قبل هذه التشكيلات التي بدون هذه الحقوق ليس هناك معنى لتواجدها؛ لأنها تحرم من دورها الطبيعي ومن حقها الطبيعي, فرابطة الأدباء والكتاب بالخصوص وكما هو مفترض حاضنة الأدب والفكر والرأي.
وللأسف فإن هذا الحال تعيشه المؤسسات الثقافية بالوطن العربي, ولا يشذ عنها سوى القليل النادر وفي أزمنة استثنائية. كل المؤسسات الثقافية وغيرها تتبع سلطة الدولة بشكل أو بآخر مهما تكن المواصفات التي وضعت.. والتي قد توحي بالاختلاف بين مؤسسة وأخرى.
إن واقع الحال يؤكد أن الأنظمة العربية جميعها أنظمة ذات طبيعة إيديولوجية شمولية, ونشير هنا إلى الإيديولوجيا بمعناها السلبي, حين تتحول الأطروحات الفكرية السياسية إلى منظومة متعصبة ومغلقة. ومهما اختلفت تسمياتها أو طبيعة خطاباتها السياسية، فثمة جهات بحكم مواقعها التنفيذية وحقوقها في اتخاذ القرار, يتضخم دورها, فتتدخل وتلغي الاجتهادات الأخرى والمبادرات الأخرى, تهيمن على كل المناشط, وتفرض على كل مؤسسة, مهما يكن تصنيفها, أن تخضع للخطاب السياسي السائد, على نحو مباشر وبما يجعله منظومة فكرية مغلقة أحادية النظرة, أو تعمل على تسويد تأويلها الأيديولوجي الخاص والمحافظ لهذا الخطاب, وتفرضه باعتباره حكمة الشعب والتاريخ والصواب, وتلغي أية مبادرات إيجابية, تكشف السلب وتعريه لمعالجته وتجاوزه, أو تؤكد الإيجاب وتعززه بالإضافة والتعميق, من أجل أن تتسع آفاق الحرية, متجاهلة أن الوعي الإنساني عملية معقدة ومفعمة بالتناقضات وليس نسقا ثابتا مغلقا مثلما هي الحياة خصبة ومتنوعة.
إن هذه الجهات بحكم مواقعها في إدارة الشؤون العامة, وبغياب التقنين القانوني الضابط لحركتها, أو العكس بسبب قدرتها على تكييف القوانين تلغي أية خصوصية أو حق للآخرين ما عداها, بل وتمنح نفسها حق التدخل, ولو كان تعسفيا وظالما, بأي اتجاه وبممارسة غير محدودة لسلطتها.
ورابطة الأدباء والكتاب في ليبيا ليست خارجة عن هذا الحال فالمقر من الدولة وهي التي تمنحها المساعدات ورغم أنها شحيحة ولكنها تبقى في النهاية هي مصادر التمويل الأساسية.. مما يقوي من اعتقاد بعض جهات الدولة ذات العلاقة بالعمل النقابي في حقها في الإشراف والتوجيه والتدخل في شؤون هذه المؤسسات وتحديد أهدافها وطرق وأساليب إدارتها وطبيعة نشاطاتها وما يدرج في جداول أعمالها وبرامجها ومن ينتسب إليها ومن يتولى إدارة أماناتها.
وبالتالي تسقط في مصيدة الدولة ووصايا الدولة والولاء للدولة وأبوية الدولة.. الولاء لرؤيتها واجتهاداتها وقراراتها و.. و..إلخ . بل وقد يصل الأمر إلى ابعد من ذلك بالتفريط حتى في حقوق أعضائها, فلو أخذنا مثلا بمثقف ما تم الاعتداء على حقوقه باعتقاله أو بمنع نشر كتبه,في أي بلد عربي, فلن تستطيع أي رابطة أو نقابة أن ترسل برقية استنكار أو شجب لهذا الاعتقال وهذا التعدي. والسبب واضح ويخضع إلى مراعاة العلاقة بين البلدان أو أكثر.. أو إلى عدم إحراج الدولة الوطنية ذاتها بمحاولة تقدير الموقف وضرورة تفهمه وأنها تعلم مالا يعلم أحد.
رابطة الأدباء والكتاب وعبر تاريخها الطويل لم تقم بهذا حتى الآن، اعتقل وعذب وسجن وقتل كتاب وصحفيون ومثقفون في أكثر من بلد عربي ولم تفكر الرابطة في إرسال برقية أو بيان احتجاج. أليس ذلك بسبب المحاذير والرقابة الذاتية التي تضعها أمامها وغياب الاستقلالية.
وما حدث ذات مرة كان واقعة استثنائية أثارت جدلا ونقاشا قبل أن تتم الإشارة في بيان إحدى الندوات التي نظمتها والذي اتخذ وبشكل جماعي من قبل الأدباء العرب المجتمعون في ليبيا حين لاحظوا بأن حرية الأديب العربي ما تزال مصادرة أو مهددة باستمرار بحيث يكاد كل قطر عربي لا يخلو من هذه المظاهر القمعية المتنافية مع الدساتير وحقوق الإنسان عامة ولهذا طالبوا بضرورة الإفراج السريع عن جميع الأدباء والكتاب والفنانين المعتقلين في مختلف السجون العربية أو بإحالتهم إلى محاكة قانونية عادلة 40.
هذا يشير ويؤكد أن العلاقة بين المؤسسة الثقافية بالذات وبين الدولة علاقة ملتبسة ومتأزمة. المؤسسة الثقافية تنادى باستقلاليتها ومؤسسة الدولة تنادي بحقها في الإشراف الأبوي عليها؛ لأنها تقدم الصدقات ولأنها تمنح المقر ولأنها.. ولأنها الخ.
ولذلك حتى مع المحاولات القائمة حاليا لاستمالة بعض أعضائها بسبل شتى, ترغيبا بالمكاسب المادية كالإيفاد في مهمات إلى الخارج أو توفير ضمانات العيش الأساسية كالحصول على سيارة أو مسكن, أو التلويح بأن تلك الشروط التعسفية التي وضعت من الممكن التغاضي عنها, إلا أن العلاقة بين هذه المؤسسة الثقافية والدولة عبر مؤسساتها المختلفة ستظل تعاني الالتباس والتأزم.. ما لم يعاد النظر في مجمل التشريعات التي تنظم العمل النقابي ومجمل مؤسسات المجتمع المدني. فما جرى على المؤسسة الثقافية من جانب الدولة هو خسارة للمجتمع والوطن قبل أن يكون خسارة للمثقف؛ لأنه انتهاك سافر للديمقراطية ولمقولات العدل والحرية التي ننادي بها.وانظر مدى خسارة المجتمع عند غياب الموقف الواعي النقدي عن الأديب والكاتب أمام أسئلة الحرية والعدل والتقدم!.
ومن المهم الإشارة إلى أن اتحادات ونقابات وروابط الأدب والفكر لا تبدع الفكر أو الأدب أو الفن حيث أنه يتخلق مع الحياة, مثله مثل العمل والحب, كجوهر أصيل للإنسان ولا تحكمه شروط أو قوالب, لكنه يزدهر بازدهار مناخات الحرية والتقدم والتي تعني على الصعيد الاجتماعي وجود مؤسسات اجتماعية تعليمية وثقافية ومنها الاتحادات والروابط لها حق المساهمة الحرة المسؤولة في خلق المناخ العفي الذي يتيح للإنسان المبدع أدبا وفكرا وفنا وعلما أن يتطور ويشارك, على نحو أكثر فاعلية, في أن يكون العالم أكثر جمالا وعدلا وبهجة.
و المعروف أنه لم ينظر إلى الثقافة في بلادنا إلا نظرة هامشية جدا, عبر فترات طويلة، وغابت فعالياتها وأثارها الايجابية عن الحضور في الداخل والخارج, فالمؤسسات الثقافية, ولضآلة إمكانياتها, ظلت في حالة من التعثر بل وقد يحدث العكس, فلا يتاح لها إنجاز ما هو من ضمن اختصاصها وتقفز جهات عدة على مواقعها وتفرض نفسها على ما تجهله 41.
وحتى المحاولات البسيطة, مثل إصدار مطبوعات لها علاقة بالشأن الثقافي, واجهت العوائق والمصاعب, فلم تستمر صحيفة الأسبوع الثقافي, الأولى المتخصصة في الشأن الثقافي في الوطن العربي.. وعانت مطبوعات الرابطة, كمجلة الفصول الأربعة ومجلة لا قبل إيقافها وصحيفة المشهد أيضا في فترتها القصيرة, متاعب كثيرة من حيث التمويل والدعم المعنوي وضيق أفق الرقابة والتعثر في المطابع.
و ظلت باستمرار وعبر سنوات طويلة موضوعة التعبئة والإعلام الموجه هي الموضوعة الأساسية والرئيسة.. وبقيت الثقافة في هامش الهامش بالنسبة للإعلام العام الموجه, بوسائله المتعددة, والتي منها الإذاعة والتلفزيون وصحف الدولة, يبتلع المخصصات المالية ويحظى بالعناية والرعاية, وكان باستمرار نصيب الثقافة من المال العام قليلا وبالتالي ظلت إمكانياتها محدودة.
ولم تنشأ وزارة أو أمانة خاصة للثقافة, مستقلة عن الإعلام, في بلادنا إلا في وقت متأخر, وقد لاقى قرار إنشائها ترحيبا واسعا وارتياحا كبيرا حيث إن ثمة أمالا كبيرة معقودة على وجودها في تعزيز حضور الثقافة الوطنية في الداخل والخارج 42. ولكن وللأسف الشديد انحازت إلى صف أمانة مؤتمر الشعب العام في تدخله التعسفي تجاه حل الرابطة على نحو مخالف للشرعية المتعارف عليها.. شرعية حق الأدباء والكتاب في التعبير عن آرائهم وفى تأسيس وإنشاء رابطتهم ونقابتهم الحرة كما يتوجب.
وكان صوت (الوزير) أول أمين للثقافةـ والذي يشغل في الوقت نفسه منصب أمين شعبة التثقيف والتعبئة باللجان الثورية وكان أحد أعضاء لجنة القرار (90) لسنة 2002ـ يعلو في ملتقيات ومحافل عدة واصفا أعضاء الرابطة, الذين اشترط عليهم للانتساب إلى الرابطة ضرورة أن يكون لهم شهادة حسن سيرة وسلوك سياسي وأن يقدموا تعهدا بولائهم, بالطلقاء والملاحدة, في محاولة ضغط وتهديد بالتلويح بتكرار مشاهد سابقة أي السجن واتخاذ إجراءات عنيفة تجاههم كالضرب والتعذيب وعبر الاستناد إلى منظور أصولي مغلق ومتطرف للتنوع والاختلاف.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها دشن وزير الثقافة عهده بمصادرة مجلة "عراجين ـأوراق في الثقافة الليبية" وهي مجلة ثقافية تحاول طرح قراءة أخرى مختلفة في القضايا الثقافية, وتطبع في القاهرة نظرا للحظر الساري على الصحافة الخاصة منذ صدور قانون تأميم الصحافة، القانون رقم 75 لسنة 1973 الذي صدر في 10 أكتوبر 1973م، و الذي تم بموجبه تأميم الصحف و المجلات المستقلة، بالرغم من أن الدولة ملتزمة تجاه المواثيق و العهود الدولية التي صادقت عليها مثل الميثاق العالمي لحقوق الإنسان (المادة 19) و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الفقرة الثانية من المادة 19).
وقد قدمت المجلة للإدارة العامة للمطبوعات لإجازتها والسماح لها بالتداول داخل ليبيا، ولكن وقبل أن تبث الإدارة العامة للمطبوعات في الطلب تدخل الوزير وقرر عبر لجنة من الموظفين عدم السماح للمجلة بالتوزيع، بل وطلب من الأمانة العامة لرابطة الأدباء والكتاب تفسيرا عن كيفية تمكن المجلة من الحصول على تسجيل في دار الكتب الوطنية، إلا أن الأمانة العامة ممثلة في أمينها العام أكدت عدم مسؤوليتها عن المجلة وأنها مبادرة تخص مثقفين يصدرونها بشكل مستقل ولا علاقة لها بالرابطة. وحتى عندما حاول أعضاء من المجلة مقابلة الوزير لمناقشته في أمر السماح بتداولها رفض مقابلتهم بل وأضاف اشتراطات أخرى لإجازتها لم تشترط على غيرها.
ترى هل كان ذلك بسبب التقييمات والتوصيفات الجاهزة التي تخلق الخصوم وتبرر إقصاء الآخرين للإعلاء من الذات عبر التماهي بنماذج التسلط والانفراد بالرأي أو لعدم قبول المسيطر بالمساواة والتنوع والاختلاف, خاصة وأن الأدباء والكتاب أعلنوا في أول لقاء معه بالرابطة بتاريخ 28/4/2004 بأهمية إعطاء مساحة حقيقية للرأي الآخر المختلف وقبول اجتهادات الجميع في النظر إلى الواقع الحالي وفي البحث في التاريخ والمستقبل وإعادة النظر في موضوع الرقابة ولا ينبغي إخضاع الأدب والكتابة للتأويل الأمني والبحث في إمكانية توسيع المشاركة للقطاع الخاص في إطار الخوصصة والمشروع الحر في العمل الثقافي في إصدار الصحف والمجلات إلى جانب المطالبة بتوفير الدعم المالي للرابطة 43.
فكيف تدار الشؤون الثقافية في الأوطان التي تنشد الحرية بدون انحياز المكلفين بها إلى تحرير العقول وإنارة الأذهان والقبول بالاختلاف الفكري وحق إبداء الرأي بل وإلى تشجيع وتعزيز الخطاب الثقافي النقدي ؟!
وكيف يكون من الممكن خلق ثقافة تقدمية مستنيرة, تقهر الدعوات الظلامية والتخلف الفكري, بدون نشر الحقائق التي يتم اكتشافها, كل برأيه واجتهاده على نحو خاص, ليتم تناولها نقديا من وجهات النظر المتعددة وبمناهج مختلفة وإذا حملت إيجابا يتبناه الناس صارت ملكا للمجتمع فعلا حيويا ودافعا خلاقا لصالح التقدم.
فأي ثقافة ستكون في هكذا وضع سوى ثقافة مهمشة تشيح بوجهها عن هموم وأسئلة وقضايا الواقع وتخشى مواجهة التناقضات والصراعات الحقيقية التي تعتمل داخله. وأي خطاب ستنتج غير التبرير والتمرير والسكون والثبات.
وهل لا تزال قائمة مقولة يوسف القويري 44 أن المجتمع المتخلف يقذف طلائعه نحو المنفى النفسي...إلخ حين تقفل الأبواب أمام تفتح العقول ولا تسود إلا الاطلاقية ونفي الآخر وتحطيم الروح المتوهجة.
أيضا يتوجب عدم تجاهل فكرة الدعم المالي, وطبيعته, الذي تقدمه الدولة للثقافة وخاصة للرابطة.. والذي تجلى على شكل صدقات يبدو أنها مشروطة هي الأخرى. فلم يكن ثمة وضوح أو بيان لبنود في ميزانياتها مخصصة لهذه الرابطة.. يقدم بين الحين والآخر أو وفقا لخطة الرابطة السنوية, وحتى إن توفرت بعض المنح من جهات متعددة فإنها ليست ثابتة ولا مستمرة ولم تكن كافية لإقامة نشاطات دائمة وفعالة للتعريف بالثقافة الليبية.. فلم تتمكن الرابطة من إصدار صحيفة المشهد, والتي تم الإعلان عنها لفترة طويلة, إلا بجهود مضنية, ناهيك عن المشروعات الأدبية والثقافية التي ظلت تتأجل باستمرار, وانظر أيضا على سبيل المثال كم كانت نادرة ومحدودة المكافآت التي تمنح لكتاب ومحرري مطبوعاتها.
ولو حاولنا أن نوسع الرؤيا للتدخل التعسفي في شؤون رابطة الأدباء والكتاب سنكتشف أن البانوراما الأكثر اتساعا هي التي أدت إلى ما جرى ..فعلى سبيل المثال : الصحف الخاصة ممنوعة، والكتاب يعانى من عدم انسياب فهو مطال أمام الرقيب بإدارة المطبوعات وهناك القانون رقم (19) الخاص بإعادة تنظيم الجمعيات الأهلية، وهو عنوان للتعسف والإتباع والإلحاق 45 ؛ لأنه جعل من أية جمعية أهلية مجرد إدارة من إدارات الدولة..وهذه النظرة وغيرها هي التي تشكلت عقل مؤسسة الدولة وتجعلها تتدخل تجاه رابطة الأدباء والكتاب وغيرها.
ولذا وأمام هذه الوضعية لا يجد المثقفون والأدباء قي هذا البلد ومن يهمهم مستقبله وحاضره إلا العمل على توسيع أفق الحرية برفع الصوت مطالبين بتكوين تشكيلهم المستقل خارج دائرة الشكلانية ودائرة الارتباك التشريعي المعيب, ونشير في هذا الصدد على ما يطالب به بعض الكتاب والأدباء 46 بتشكيل رابطة أو نقابة مستقلة يبادر الكتاب والأدباء إلى تشكيلها متجاوزين كل العقبات وكل الارتباكات.
ــــــــــــ ــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1 ـ قرار أمانة مؤتمر الشعب العام بتاريخ 21/5/2002 رقم (90) بشأن تشكيل لجنة للإطلاع على ظروف رابطة الأدباء والكتاب وإعادة بنائها واقتراح سبل تفعليها ودعمهاـ صحيفة الفصول الأربعة يوليو 2002 العدد 100 السنة 24 ص 229
2 ـ قرار أمانة مؤتمر الشعب العام بتاريخ 14/6/2004 رقم (59) بإعادة بناء الرابطة العامة للأدباء والكتاب وإعادة النظر في نظامها الأساسي
3 ـ تعميم أمانة مؤتمر الشعب العام القرار رقم (2) لسنة 2004, لتسيير عملية إعادة بناء الرابطة, يحتوي الشروط والضوابط الجديدة للانتساب إليهاـ صحيفة المشهد العدد 27 السنة الثانية يوليو 2004
4 ـاعلان اللجنة الفرعية بشعبية طرابلس
5 ـ قرار أمانة مؤتمر الشعب العام بتاريخ 7/7/2004 رقم (69) لسنة 2004 بتشكيل لجنة لتنفيذ الإجراءات اللازمة لوضع اليد على الرابطة العامة.
6 ـ علي فهمي خشيم: البحث عن هوية ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 86 السنة 1999 ص4 و5
7 ـ التحرير: تنويه ـ مجلة لا العدد84 مايو1999 ص53
8 ـ محمد الفقيه صالح: حول مجلة "الفصول الأربعة"ـ مجلة لا العدد84 مايو1999 ص52و53
9 ـ عمر الكدي: مداخلات حول مجلة الفصول الأربعة ورابطة الأدباء ـ مجلة لا العدد 85 يونيو 1999ص 42 و43
10 ـ عمر أبو القاسم الككلي: ما للصفة للصفـــــــة ،وما للاسم للاسم ـ مجلة لا العدد 85 يونيو 1999ص 41
11ـ التحرير: رد على تنويه محمد الفقيه صالح ـ مجلة لا العدد 85 يونيو 1999ص 43
12ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 98 يونيو 2002 ص2 و3
13ـ قرار أمانة المؤتمر الشعبي لشعبية طرابلس رقم 1 لسنة 2004 بتشكيل لجنة وضع اليد.
14ـ محضر تسليم واستلام
15ـ بيان الأدباء والكتاب والمثقفين في مهرجان الفاتح الأدبي 12/9/1994
16ـ رسالة مدير الإدارة العامة للمطبوعات بعرض مجلة لا على الرقابة
17 ـ صحيفة طعن بإلغاء قرار إداري مقدم من عضوين بالأمانة العامة للرابطة
18 ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 94 السنة 23 يناير 2001 من ص 182 وحتى 191
19 ـ تقرير عن عمل الأمانة العامة للرابطة مقدم إلى المؤتمر العام الأول
20ـ رسالة الكاتب والأديب الصديق أبو دوارة إلى الأمين المساعد
21 ـ خطاب الأمين العام لرابطة الأدباء والكتاب إلى أمناء اللجان والمؤتمرات الشعبية وشؤون النقابات والاتحادات والروابط المهنية
22 ـ طعن ببطلان التصعيد الذي تم بالرابطة في 19/11/2000
23 ـ حكم الدائرة الاستئنافية بتأييد صحة التصعيد
24ـ اعتماد أمانة مؤتمر الشعب لإجراء ملء الفراغات بالرابطة
25ـ خطاب أمين الشؤون القانونية وحقوق الإنسان بأمانة مؤتمر الشعب العام إلى أمين شؤون النقابات والاتحادات والروابط المهنية
26ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 98 يناير 2002 السنة 24 من ص 188 وحتى 191
27ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 100 يوليو 2002 السنة 24 ص 227 و228
28ـ محضر الجلسة الاستثنائية للمؤتمر الرابع للرابطة
29ـ تقرير عن وضع الرابطة العامة للأدباء والكتاب مقدم من أمين عام الرابطة إلي المؤتمر العام الرابع الاستثنائي بتاريخ 29/4/1370-2002ف
30ـ تخويل أمين عام الرابطة صلاحيات موقعه الأمين المساعد
31ـ خطاب أمين عام الرابطة إلى أمين شؤون النقابات بخصوص عدم المسؤولية عن الرابطة
32ـ من مقالات صحيفة المشهد :
ـ العدد 20 بتاريخ 2/7/ 2003: محمد محمد المفتي ( فلتكن ثقافتنا ليبية ـ ص13)
ـ العدد 22 بتاريخ 16/7/ 2003: يوسف الشريف (الرابطة بأعضائها ـ ص 5)
أحمد الفيتوري ( الصحف الخاصة ـ ص 6 و7)
ـ العدد 23 بتاريخ 23/7/ 2003: محمد المغبوب (الأمين الوجيه ـ ص 7)
يوسف الشريف ( فاضت ص 12) إدريس المسماري ( عن الرابطة ـ ص13)
ـ العدد 24 بتاريخ 30/7/2003: إبراهيم حميدان (الشياطين والملائكة ـ ص 3 )
جمعة عتيقةـ تعارك الأجيال ـ ص 3 ) محمد عبد الله الترهوني (استهداف رابطة الأدباء ـ ص 6)
33ـ مقالات من صحيفة الجماهيرية للشاعر والكاتب مفتاح العماري: ( لمناقشة المسألة/رسالة إلى: شيوخ العشائر/ أشياء من سوء الطالع )
34ـ ندوة إشكالية الصحافة في ( ليبيا): مجلة لا العدد 43 و44 يوليو وأغسطس 1994 ص 20و21و22و23
35ـ مجلة لا العدد 78 عام 1998
36ـ عبد الرحمن الشاطر: لن نسكت أبداً..ـمجلة لا العدد 80 يناير 1999 ص 64
37ـ محمد محمد المفتي ـ ( النغم الليبي من جوف النشاز الفاشستي ـ الهوية المهربة على صفحات ليبيا المصورة 1935/1940 ) مجلة الفصول الأربعة العدد 91 السنة 22 ابريل 2000
38ـ كلمة أمين الإعلام والثقافة في الاجتماع الأول للجمعية العمومية لاتحاد الكتاب والأدباء الليبيين بطرابلس قي 15/1/1978 ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 2 السنة الأولى مارس 1978 من ص 192 وحتى 194
39ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 8 السنة الثانية ديسمبر 1979 ( ملف: أسبوع الأدب الثوري الذي نظم في افتتاح فرع الاتحاد ببنغازي 24/10/1979 ) من ص 212 وحتى 294
40ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 15 السنة الرابعة سبتمبر 1981 ( ملف: ندوة الأدب المقاتل ) ص191
41ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 95 أيريل 2001 ص 2و3و4
42ـ مجلة الفصول الأربعة العدد 105و106 يناير 2004
43ـ عراجين ـ أوراق في الثقافة الوطنية ( كتاب غير دوري ) العدد 2 يونيو 2004( مراجعات: مستقبل الثقافة في خارطة التحولات الليبية الجديدة ) ص 288 وحتى 290
44ـ يوسف القويري: الكلمات التي تقاتل ـالطبعة الأولى ابريل 1969 دار المصراتي/طرابلس ص 175 وحتى 182
45ـ محاولة إنشاء جمعية أصدقاء الكتاب
46ـ على سبيل المثال: إدريس بن الطيب ـ دعوة لتشكيل رابطة للكتاب المستقلين/حلقة نقاش: الديمقراطية وحقوق الإنسان ـ جدلية العلاقة 20/3/2006ـ مجلة عراجين العدد 5 أغسطس 2006 من ص 208 وحتى 210

الخميس، 8 أكتوبر 2009

رضـــا بن موسى ـ يوسـف الشـريف ـ جمــعة عتيـــــقة



وثائق رابطة الأدباء والكتاب الليبيين 1ـ1
ما جرى وما حدث.. كيف ولماذا..؟!



الطبعة الثانية: في الطبعة الأولى وردت أخطاء فنية ومطبعية تم تجاوزها في هذه الطبعة، كما أضيفت وثائق لم تنشر في الطبعة الأولى.( المحررون )
مفتتــح أصدرت أمانة مؤتمر الشعب العام بتاريخ 21/5/2002ف القرار رقم (90) 1 بشأن تشكيل لجنة للإطلاع على ظروف رابطة الأدباء والكتاب وإعادة بنائها واقتراح سبل تفعليها ودعمها، على أن تعمل اللجنة تحت إشراف أمين الشؤون الثقافية والتعبئة الجماهيرية بمؤتمر الشعب العام, وأن تقدم تقارير دورية عن نشاطها . وقد تشكلت اللجنة من أمين اللجنة الشعبية لمؤسسة الإعلام الجماهيري, والأمين العام لرابطة الأدباء والكتاب, وأمين شعبة التثقيف بمكتب الاتصال باللجان الثورية, ومدير المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر, وأمين اللجنة الإدارية لمجلس تنمية الإبداع الثقافي.

ويعتبر هذا القرار هو الخطوة الإجرائية والاستجابة العملية التي اتخذتها أمانة مؤتمر الشعب العام على ما تم إقراره بالمؤتمر العام الرابع لرابطة الأدباء والكتاب في جلسة استثنائية في 28/4/2002ف بخصوص الأوضاع الصعبة التي تواجهها, حيث دعى أعضاء الرابطة, المجتمع والدولة, إلى أهمية النظر والتعامل مع رابطة الأدباء والكتاب بمراعاة خصوصية طبيعتها البنيوية ودورها المختلف عن بقية الروابط والاتحادات والنقابات المهنية، وعلى ضرورة معالجة التقصير في تقديم الدعم المالي اللازم. وكان قد تقرر إحالة تقرير أمين الرابطة, وبإجماع الأعضاء, إلى كل الجهات الرسمية للدولة التي لها علاقة بالأمر, مع تعزيز ذلك بالاتصال المباشر, بل وأكدوا على نشره وتعميمه عن طريق وسائل الإعلام جميعها للتعريف بالرابطة والظروف التي تواجهها والمعوقات التي تعترض طريقها إلى جانب مناشدة أمانة مؤتمر الشعب العام بضرورة تقديم الدعم المالي, لكونها رابطة غير مهنية, وأيضا تقديم الدعم المعنوي لها لدورها العام في خدمة المجتمع ثقافيا واللذان لم يتوفرا رغم المطالبات المتكررة المكتوبة والشفهية. ثم تلاحقت القرارات والخطوات الإجرائية، من طرف أمانة مؤتمر الشعب العام: فأصدرت بتاريخ 14/6/2004 القرار رقم (59) 2 بإعادة بناء الرابطة العامة للأدباء والكتاب وإعادة النظر في نظامها الأساسي. وقد نص القرار على تشكيل لجان للإشراف على عملية إعادة بناء فروع الرابطة بالشعبياتـ المناطق المختلفة للبلاد, والتي كان قد تم إلغاؤها واستحداث مكاتب بدلا منها, في المؤتمر العام الأول للرابطة, مع منح استثناء للرابطة عن بقية الروابط والنقابات في ما يخص العدد اللازم لتكوين الفرع بتقليصه من 100عضوا إلى 20 فقط. ثم ألحقت أمانة مؤتمر الشعب العام القرار بالتعميم رقم (2) 3 لسنة 2004, موجها إلى أمناء المؤتمرات في الشعبيات ولجان الإشراف, وباعتباره سندا قانونيا لتنفيذ ما ورد بالقرار ولتسيير عملية إعادة البناء, يحتوي الشروط والضوابط الجديدة التي وضعتها والتي صار من اللازم توفرها فيمن يرغب في الانتساب إليها. وبدا التنفيذ العملي لما جاء في القرار (59) والتعميم رقم (2) اعتبارا من 3/7/2004 بالنسبة للشعبيات4. ولم يتضمن القراران السابقان أية إشارة إلى أسباب إعادة البناء. أما في التعميم فقد وردت إشارة عامة غير متعينة الدلالة ويحتمل اعتبارهاـ تجاوزاـ سببا, وهي أن "النقابات و الاتحادات والروابط المهنية إحدى دعامات سلطة الشعب, ويتطلب الأمر تفعيلها ووضعها في السياق الصحيح الذي يخدم السلطة الشعبية ويرسخها ويؤكدها. ولما كانت رابطة الأدباء الكتاب إحدى أهم الروابط العاملة في الجماهيرية العظمى لمالها من أثر على الحركة الثقافية والأدبية والفكرية, الأمر الذي حدا

بأمانة مؤتمر الشعب إلى إصدار قرارها بإعادة بنائها بالشكل الصحيح". إحدى هذه الشروط الجديدة, التي تضمنها التعميم, تقضي بألا يكون قد صدر ضد الراغب في العضوية حكم بالإدانة في جناية أو جنحة تمس أمن واستقرار النظام الجماهيري, ويلزم في هذا الشأن بضرورة إحضار الدليل القطعي: شهادة البراءة (شهادة الحالة الجنائية الخالية من السوابق الأمنية), الأمر الذي يعني ـ تحديداـ استهداف مجموعة محددة من أعضاء الرابطة, شغل بعضهم عضوية الأمانة العامة, وكلف البعض الآخر بمهام في لجانها المتعددة.. أداروا ونظموا, بالمشاركة, مع بقية زملائهم من الأعضاء, مناشط وفعاليات عدة وأشرفوا على إصدار مطبوعاتها. والمقصود هنا الأدباء والكتاب الذين صدرت بحقهم أحكاما بالسجن لفترات مختلفة بناء على تهم سياسية. والشرط الآخر، والذي يحمل تشكيكا وإدانة مسبقة لجميع أعضائها, بدون استثناء، يقضى بأن يكون الراغب في الانتساب ملتزما بالفكر الجماهيري ومتمسكا بسلطة الشعب ومؤمنا بالمبادئ والأهداف التي قامت من اجلها ثورة الفاتح العظيمة, مع إلزامه بضرورة إرفاق طلب الانتساب بتعهد كتابي بالالتزام بفكر النظرية العالمية الثالثة والنظام الجماهيري القائم على سلطة الشعب. ويختتم التعميم أوامره إلى اللجان المشرفة على إعادة البناء بأن تضع اليد على أموال وممتلكات وموجودات الرابطة الثابتة والمنقولة وحصرها والمحافظة عليها, وعدم تمكين أي شخص من استعمال السجلات والمستندات والأوراق والأختام. ثم تضيف أمانة مؤتمر الشعب العام, وتعزيزا للتعميم رقم (2), قرارا ثالثا بتاريخ 7/7/2004 ورقمه (69) 5 لسنة 2004 بتشكيل لجنة لتنفيذ الإجراءات اللازمة لوضع اليد على الرابطة العامة للأدباء والكتاب الليبيين الكائن مقرها بمدينة طرابلس. وبما يعنيه ذلك من اتخاذ الإجراءات الرسمية بإخراج العاملين منها وقفل مقرها, (بسلسلة حديدية مختومة بالشمع الأحمر), وبالتالي إيقاف مناشطها وأعمالها الإدارية والمالية ومنع ارتيادها من قبل أعضائها ومجمل المهتمين بالشأن الثقافي. وهكذا دخلت العلاقة, بين الدولة ـ ممثلة في أمانة مؤتمر الشعب العام ـ ورابطة الأدباء والكتاب الشرعية, مرحلة تأزم, بالتوقف أولا عن تقديم المساعدة المالية لها, ثم بتشكيل لجنة للنظر في أوضاعها بدون مشاركة مباشرة من أعضائها ثانيا, وثالثا بتأجيل الإذن لها للشروع في إجراءات التصعيد لإدارة أمانتها العامة.. وانتهى الأمر بإقدام أمانة مؤتمر الشعب العام على حلها كرابطة شرعية قائمة بحكم إرادة أعضائها وحكم قضائي وتصديق من أمانة مؤتمر الشعب العام ذاتها, وذلك بإلغاء عضوية جميع أعضائها, والعمل على إعادة بنائها, بإنشاء رابطة أخرى جديدة, لا تقبل المنتسبين إليها إلا ضمن شروط ومواصفات لم تكن موجودة, من قبل, في القوانين السائدة المعتمدة, ومنها القانون الصادر بها رقم 44 لسنة 1976 باسم قانون إنشاء اتحاد للأدباء والكتاب, بل ومخالفة بالتحديد للقانون رقم (1) لسنة 1425ميلادية بشأن المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ولائحته التنفيذية وللقانون رقم (23) لسنة 1428ميلادية بشأن النقابات والاتحادات والروابط المهنية ولائحته التنفيذية. ولأهمية هذه الواقعة في تاريخ الحياة الثقافية الليبية ـ إعادة بناء رابطة الأدباء والكتاب بإلغاء عضوية جميع أعضائها, ووضع شروط ومواصفات للراغبين في الانتساب إليها, لم تكن موجودة, من قبل, في القوانين السائدة المعتمدة ـ الأمر الذي اعتبره الأدباء والكتاب الليبيون, والمثقفون والمهتمون بالشأن الليبي الوطني العام, إجراء ظالما, وتعسفيا جائرا, ضد استقلالية العمل في الحياة الثقافية الليبية, بشكل خاص, ومجمل مسيرة العمل النقابي ومنظمات المجتمع المدني... لهذه الأهمية, رأينا ضرورة, طرح القضية للنقاش والحوار, في هذا الكتيب التوثيقي التسجيلي، عبر معرفة: ماذا جرى وكيف حدث ؟! برصد التفاصيل وسرد الأحداث, بغية الفهم, والتحليل الموضوعي, لتعلق الواقعة الوطيد بجدلية الواقع والوعي.. لتبيان لماذا جرى ما جرى وحدث ما حدث؟.. ومن هي العناصر الفاعلة والمتفاعلة في الحدث.. وما هي أسباب حدوثه ودوافعه التي أدت إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات لتفكيك الرابطة الشرعية بحلها, ثم إعادة بنائها على نحو يشكل انتهاكا لحقوق واستحقاقات أعضائها, ويخالف القواعد الديمقراطية, المتعارف عليها, في ضرورة وجود الروابط والنقابات والاتحادات والجمعيات والأندية, كتشكيلات توسطية لها حق الاستقلالية الذاتية ولها حق المشاركة الحرة, باعتبارها تمثل ضمانات الحرية بين المواطنين الأفراد وبين الدولة. ونحن عندما نوثق ما جرى وما حدث, ونناقش أسبابه, لا نطرح المسألة بحثا فقط عن أصلها وجذورها وأسبابها بل ندعو إلى إصلاح هذا الأمر وتغييره.. سعيا لفتح أبواب الأمل والعمل بتفاؤل الإرادة المستند إلى الحق والقانون, إلى بناء مستقبل أفضل في هذا البلد يعتمد حرية العمل النقابي ويعطى مساحة أوسع لحق المساهمة والمشاركة وإبداء الرأي من قبل هذه التشكيلات التي بدون هذه الحقوق والاستحقاقات ليس هناك معنى لتواجدها؛ لأنها تحرم من دورها الطبيعي ومن حقها الطبيعي, فرابطة الأدباء والكتاب بالخصوص وكما هو مفترض حاضنة الأدب والفكر والرأي. إن هذا الكتيب مفتتح حوار, يمكن إثراؤه والإضافة إليه, من قبل جميع المهتمين بالشأن الثقافي، والعمل النقابي, سواء فيما يخص الوقائع التي قد نكون سهونا عن ذكرها, أو الإشارة إليها, أوفي تقديم قراءات أخرى لأبعاد لم يتم تناولها أو التطرق إليها لهذا الحدث الهام والحامل لدلالات أكثر أهمية, أو بوجهات نظر ترتكز على منظور يخالف ما ورد فيه.

الخميس، 17 سبتمبر 2009

رضـــا بن موسى ــــــ يوسف الشـــريف





حوار مع: الدكتور على عبد اللطيف حميده

2ـ 2


في الشأن التاريخي الليبي.. الأسئلة متعددة. وقد نبدأ هذا الحوار بافتراض– ولا نزعم غير ذلك– افتراض أن التاريخ الليبي يتعرض لمحاولة استيلاء أو هيمنة. هل هذا الافتراض واضح عندما يطرح كسؤال؟


لا هذا السؤال غير واضح


نعطي مثلا ثم نترك لك البقية. مثلا واحد كمفتاح.. عندما يقرأ لكاتب ما يطالب برأس كاتب آخر لأنه كتب عن شخصية تاريخية بما لا يتلاءم مع توجهات هذا الكاتب أو بما لا يتلاءم مع قبيلته ومنطقته.. عندما يقرأ مثل هذا الكلام هل يمكن القول أن التاريخ ممثلا في حوادثه وفي شخصياته يتم الاستيلاء عليه وبمعنى آخر أكثر وضوحا يتحول إلى ملكيات خاصة. هل هذا واضح .


الشق الأخير هو الأكثر وضوحا. هناك مستويات عديدة في كتابة التاريخ الليبي. هناك إنتاج أكاديمي وهناك إنتاج غير أكاديمي وهناك ما أسميه التاريخ القبلي أو الجهوي. هذه أنواع من مستويات الكتابة في التاريخ الليبي. الكتابات التاريخية الليبية ـ وللأسف الشديدـ لم تصل حتى الآن على الأقل في المرحلة الحالية إلى نوع من الاستجماع منهجا ورؤيا على بعض النقاط الأساسية في فهم ودراسة التاريخ الليبي, وهذه لها أسباب وعوامل تاريخية. الإجابة عن السؤال تتطلب تناول جانبين: الأول هو السياق الذي وصلنا إليه في دراسة التاريخ وبعدها نحاول تقييم وفهم هذا الإنتاج الذي تطرح الأسئلة عنه.


مداخلة: يمكن أثناء قراءتنا ومراجعتنا للجهود الليبية في الحقل التاريخي أو الكتابة الليبية للتاريخ هل يتوجب أن نشير أيضا إلى كتابات الآخرين عن بلادنا حيث أنها من الممكن أن تفيدنا موضوعيا ومنهجيا عبر اضاءات مختلفة على التاريخ الليبي وحتى غير الليبي


نجيب عن السؤال الأول ثم بعد ذلك نجيب عن السؤال الثاني

أولاً : الكتابات الليبية عن ليبيا كانت جدلية لأنه وحتى في المرحلة الاستعمارية أيضا... المؤرخون الليبيون المحليون الوطنيون كان يكتبون التاريخ.. الشيخ الطاهر البشتي, السيد أحمد الشريف, سليمان الباروني, عبد الرحمن عزام.. الصحف الوطنية المرصاد, الرقيب وغيرها.. هذه كلها كانت تتناول الأحداث والوقائع.. أيضا صحف المنفى في تونس السيد أحمد زارم و في مصر وسوريا والعراق وفي غيرها..كذلك الكتابات في أوربا في أوساط المنفيين والمهاجرين.

ومن الممكن رصد موضوعة مشتركة أو نوع من الملامح أو القضايا التي تميز الكتابات التاريخية عن ليبيا في القرن العشرين وهي مسألة الصراع من أجل برامج استقلالية. في الأربعينيات انتهت عندما تم ضرب بعض هذه المشاريع ولكن نجاح مشروع واحد أدى إلي تكوين الدولة الليبية والتي كانت إنجازا كبيرا للشعب الليبي ولكن ولادتها كانت مليئة بالمتناقضات.. مليئة بالأسئلة التي لم يستطع الشعب الليبي أو الدولة الليبية في ذلك الوقت أن تجيب عليها وبالتالي جمدت الأسئلة والقراءات في فترة من الفترات .

الكتابة المنهجية الحديثة عن ليبيا بدأت تتنامى ولكن أغلبها في إطار ما يسمى بالشرعية.. شرعية الدولة, وهناك أصوات إما أنها غفيت أو همشت في تلك الفترة .

الملاحظ على الكتابة التاريخية في ليبيا أن مشروع الدولة مشروع ليبيا كبلد كهوية أو ككيان لم يحسم بعد وبالتالي كانت محاولة ترسيخ الاثنين معاً وهذا أدى في الحقيقة إلى نوع من التأجيل ومن الصعوبة في الولادة. عندما نأتي إلى المرحلة المعاصرة نجد أن الأسئلة التي دفنت أو لم تدرس دراسة عميقة أدت إلى نوع من تأجيل حسم كتابة تاريخ ليبيا كمجتمع وليبيا ككيان وكدولة ولأن هذه المسألة لم تحسم بعد سواء من الناحية الأكاديمية أو من ناحية الدراسات المعمقة أو من ناحية المنهج أو الرؤية بدأت الصراعات من أجل إعادة كتابته وخاصة بالتركيز على المرحلة الاستعمارية لأنه في الحقيقة لابد أن نعترف بشدة عنف تلك المرحلة الاستعمارية الاستيطانية.. ونعترف بأن كل التناقضات وكل القضايا الجادة التي كونت المجتمع الليبي كان لها جذورها في المرحلة الاستعمارية .

وبالتالي يلاحظ بأن الصراع الفكري والتاريخي والإيديولوجي الآن مابين قوى وفئات المجتمع الليبي يأخذ منحى إعادة كتابة المرحلة الاستعمارية ولهذا تجد الصراع من أجل إثبات هذه القبيلة أو تلك وزعمائها ورجالها في تلك المرحلة وأيضا تبرز الاتجاهات الجهوية الضيقة الرؤى بل وأيضا أحيانا الاتجاهات النخبوية.. وكل تلك الصراعات التي أدت إلى تحالفات محددة سواء بالتعاون أو التهاون أو الصراع في الداخل أو في الهجرة. ولأن كل هذه الصراعات لم تحسم.. لم تطرح للقراءة الموضوعية والبحث العلمي شرعت الآن في الظهور إلى السطح حاملة سلبيات كثيرة. والخلاصة التي أخرج بها إننا لم نستطع بعد أن نرسخ كتابة الكيان الليبي أو التاريخ الليبي بشكل أفضل يشمل هذه الأسئلة المشروعة .

أيضاً لازالت هناك كما يبدو إشكالية مواطنة وإشكالية هوية لم تحسم حتى الآن لو أننا قرأناها من الخارج ومن ناحية موضوعية. ولهذا ترى العجب: هناك المشاشية يقولون مثلاً أن محمد علي المشاي قائد عظيم وهناك ورفلة تقول أن عبد النبي بلخير وغيرهم وغيرهم وهكذا دواليك.. هذه مجرد أمثلة بسيطة ولكنها مثال على أمثلة عديدة عن دور أباضية الجبل وتحالف الزنتان والرجبان وحيث تجد تمجيد لهذه القبيلة وهذا الزعيم .. تقرأ كتابات عن حرب الجبل هذه التي لم تحسم موضوعيا إلى حد الآن. والحقيقة أنه رغم الاختلاف والتعدد في وجهات النظر أو التحيز لهذا الجانب أو ذاك الجانب الآخر إلا أن المنهج غالبا غير علمي وغير موضوعي والرؤية أيضا رؤية جهوية قبلية في أغلب هذه الكتابات.

ما البديل.. هل يكون بإلغاء التعدد والتناقضات؟

لا. ليس البديل أن نطمس التناقضات والتعددية التي هي من طبيعة كل مجتمع حي كالمجتمع الليبي, ولكن البديل هو كيف نقرأ الخاص والعام, المحلي والجهوي الماضي والحاضر بروح موضوعية حيث نجد هذه التعددية ومن خلالها لا تعني التمزق أو التشرذم أو الخلاف بل تعني التعدد والتنوع والحيوية. وهذا هو الفشل الذي نراه.. وهذا هو التمزق والخلاف أحيانا وكل هذه الظواهر الغريبة السلبية التي تظهر لنا بين الفينة والأخرى.


القصور في القراءة.. هل هو نتيجة الضعف المنهجي أو الرؤى الضيقة أو الانحياز الإيديولوجي أو الشوفيني أم أن التاريخ يكتب وفقاً لأهداف ووقفاً لقضايا. على سبيل المثال هناك كتابات تحاول أن تزيل هذه الحجب وهذه العوائق في دراسة بعض الوقائع ذات الطابع الصراعي العنيف إلى حد الدعوة إلى التسامح الموضوعي..هل توقعنا هذه الكتابات أحياناـ كما ينتقدها البعض ـ في فخ الانتقائية من اجل تقريب وجهات النظر أو إيجاد مبررات لهذا الفعل أو ذاك, بدلاً من كشف السلب وتعريته لتجاوزه. هل لابد من هدف للقراءة على عكس الدراسات ذات الطابع الانتربولوجي التي من الممكن أن تشير إلى التشتت والصراع في مجتمعاتنا؟


أولا لابد من استيعاب مسألة أن كل جيل في كل مكان من العالم يريد قراءة التاريخ من موقعه الزماني المتميز. هذه مسألة حيوية وعالمية في كل المجتمعات وبالتالي ليس من الغرابة أن هناك قراءات جديدة لكل جيل ولكل مرحلة. النقطة الأخرى التي يجب أن نستوعبها وأنا حاولت في أطروحتي, التي طبعت بالعربية في كتاب في بيروت وطبعا طبعت في كتاب باللغة الإنجليزية, الإشارة إليها وهي خصوصية المجتمع الليبي والتحديات التي واجهها ومعاناته القاسية وكفاح أهله وأسئلته المشروعة وإجاباته التاريخية. والفشل الذريع هو القفز على الواقع أو الصمت أو إنكار وجود التعددية والتنوع وحق الاختلاف والخطر على المجتمع يكمن في قوة الهوية القبلية أو الهوية الجهوية وخروجها على السطح على حساب العام الوطني الأشمل.

المشكلة في الكتابات الليبية الآن ليست في وجود كتابات متعددة ولكن في هامشية وغرابة موضوعاتها أحيانا وغالبا في ضعفها المنهجي وقلة مصادرها و معاركها السطحية الطاحنة والغير مبررة.. وكيف نفسرها ألا يؤكد هذا أن هناك نوع من التراجع في الرؤى والأهداف بالمقارنة مع فترة الخمسينات والستينيات وحتى في السبعينيات، حيث كان فيها زخم وطني يحاول أن يبني كيانا واحدا..ً في الأول كان هناك صراع الفيدرالية والسعي إلى بناء كيان موحد ومشاركة أوسع ولكن الضغوط الخارجية والتحولات الداخلية في المجتمع الليبي والدولة الليبية قد تجعل هذا المشروع يتخلخل.. وتشرع الهوية القبلية الجهوية في الظهور بقوة، وهذا موضوع آخر..قد تضمر في وقت ولكنها قد تزداد عنفاً وقوة من مرحلة إلى أخرى, كانت هذه الصراعات موجودة في فترة ماضية ولكن جاءت فترة أخرى واختفت. الآن بدأت تظهر على السطح مرة أخرى من خلال كتابات التخوين أو التمجيد لقبيلة أو لجهة أو لقوى وغيرها.

النقطة الأخيرة للإجابة عن هذا السؤال الذي حاولت أن أجيب عليه، هي ضرورة الإشارة إلى أن القراءة النقدية الواعية متدنية أحيانا للأسف الشديد. هناك إشكالية الهروب إلى الأمام.. وهذه عادة عربية رديئة للغاية فبدلاً من أن تبدأ من الواقع كما هو بتناقضاته بتعدديته وبتنوعه يتم الهروب إلى الأمنيات. المجتمع الليبي كيان كبير من ناحية الجغرافيا رابع دولة في أفريقيا وتاريخياً وبحكم كبر المساحة تواجدت لدينا تعددية جهوية جغرافية وبدلاً من أن نفهمها كنوع من التنوع والتعدد والغنى صرنا نراها ـ بحكم قصر مرحلة الدولة الليبيةـ خطرا. وأيضا هناك مسألة تأجيل استكمال بناء الدولة الليبية ومؤسساتها الأساسية التي أدت إلى أن هذه التوجهات الجهوية والقبلية تظهر على السطح أكثر فأكثر .

قلة من المؤرخين الليبيين يعترفون بأن لدينا تعددية جهوية ودائماً عندما تطرح المسألة سياسياً تعتبر مسألة خطيرة وإقليمية وغيرها من التهم ولكن هذه نظرة قاصرة كأننا نحن العرب سواء على المستوى الاجتماعي الثقافي الحضاري وكأن ليس لدينا طبقات ولا تعددية جهوية إقليمية بدوية وريفية وحضرية. هذه هي المنطقة وهذا هو المجتمع الليبي.. التعدد والتنوع. هذه هي التعددية الحيوية التي لم تستوعب بعد استيعاباً ايجابياً واقعياً يثري المجتمع ويجعله شريكا فاعلا حضاريا. نعم لابد من أن نرى أنفسنا في المرآة كما نحن لنتجاوز السلب.

باختصار.. الكتابات التاريخية متنوعة كما ذكرت وذكرتم لأن الكتابة التاريخية نتاج طبيعي مثلها مثل الإنتاج في الحقول السياسية والثقافية مشروط بمرحلة تاريخية محددة، أما لماذا ظهر في هذه المرحلة وليس في غيرها فهذا سؤال آخر.


يلاحظ في كثير من الكتابات الليبية التاريخية أن الباحث الليبي يغرق في الوقائع التاريخية في حدث كذا و كذا.. ولكنه لا يطرح أسئلة لماذا حدث وما أسباب ذلك بحيث نستطيع أن نتبين حركة ومساهمة مجمل العناصر الدافعة لحركة التاريخ. هل الباحث الليبي لا يستهدف استنطاق الوقائع من أجل الوصول إلى مفاهيم علمية وقوانين اجتماعية ذات شأن. هل نفتقد السؤال.. هل ليس للباحث الليبي قضية؟!


هناك نقطتان في هذا الإطار. الكتابة التاريخية.. أو كتابة التاريخ الليبي تقريباً وإلى حد كبير جاءت متأخرة. هناك طبعاً المؤرخون الذين عاصروا المرحلة الاستعمارية في حركة المقاومة أو ارتبطوا بالدولة الاستعمارية. و بعد الاستقلال وفي بلد مدمر مهمش متعب ومجهد من خلال الفترة الاستعمارية الفاشية, بدأ المؤرخ الأكاديمي الحديث أيضا متأخراً ومن هذا الجيل الذي تعلم الأستاذ مصطفى بعيو والأستاذ بازامة وكانا بعد الأستاذ محمد بن مسعود فشيكة والشيخ الطاهر الزاوي مؤرخنا الكبير وبعد السنوسي الغزالي والطيب الأشهب .. هؤلاء إما كانوا رجال دين فقهاء أو صحفيين.. الأستاذ بعيو خريج جامعة الإسكندرية.. ويكاد يكون أول مؤرخ حديث هو الأستاذ فشيكة خريج دار العلوم.

الجيل الثاني كان أفضل إعدادا, وتشكل من الطلاب الذين تعلموا في الجامعة الليبية ببنغازي ثم أرسل جلهم تقريباً إلى الولايات المتحدة وبعضهم إلى فرنسا وهناك تعلموا في جامعات ذات تقاليد عريقة وعلمية متقدمة في دراسة التاريخ سواء في التاريخ العربي الإسلامي أو الإفريقي أو التاريخ بشكل عام ولم يكملوا دراساتهم ويرجعوا إلى ليبيا إلا في بداية الثمانينيات وعلى سبيل الذكر الدكتور محمد الجراري والدكتور عقيلة البربار والدكتور محمود أبوصوة والدكتور عبد المولى الحرير والدكتور عبد الله إبراهيم والدكتور صلاح الدين السوري والدكتور حبيب وداعة.

هؤلاء اعتبرهم كبار مؤرخينا وإلى حد كبير ليس من الإنصاف القول بأنهم يغرقون في التفاصيل والهوامش. الدكتور حبيب وداعة مثلا كان له إسهامه في إنقاذ المصادر التاريخية لدولة أولاد محمد وهذا عمل مهم وخالد كما ذكرت في أحد محاضراتي بطرابلس.. وهذا مثال فقط.

هؤلاء بدأوا تأسيس المدرسة الليبية الحديثة في كتابة التاريخ وكتبوا في المسائل نفسها التي تضمنتها أطروحاتي وجهودهم جيدة من الناحية العلمية ولا شك أنه أعمالهم تقدر على مستوى عالمي معاصر ولكن الاستمرارية في الكتابة التاريخية تحكمها الظروف الاجتماعية و السياسية والتعليمية في ليبيا وظروف الصراع والحصار وغيرها ..

ولهذا لا أعتقد أن هؤلاء المؤرخين الليبيين الكبار من الجيل الثاني والذين أنا أقف على أكتافهم كما أقف على أكتاف من سبقهم مثل الشيخ الطاهر وبازامه وغيرهم ـ لأنني انتمى إلى الجيل الثالث في الواقع ـ لم يحاولوا كتابة موضوعية وعلمية للتاريخ الليبي ولم يستهدفوا استنطاق القوانين الاجتماعية التاريخية للمجتمع الليبي.. ولكنهم ولظروف عديدة ربما لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أقصى نضجهم وعلمهم.. الطيب الأشهب كان أحدهم وقد اقترب أكثر.

النتاج الليبي العلمي التاريخي بدأ بزخم لكن المؤرخ يحتاج إلى فترة من الزمن حتى يستطيع أن يصل إلى أوج نضج الأدوات المنهجية والعلمية ولهذا ربما وهذا ليس من الإنصاف ولكنني أريد أن أجادل وأقول بأنه لم يستطع هؤلاء المؤرخون الوصول إلى إنتاج أفضل ما لديهم .

ورغم الملاحظات التي تطرح للجدل لغرض تطوير الكتابة التاريخية.. أنا قرأت نتاجهم كل أطروحاتهم في الجامعات الغربية والمحترمة جداً واعترف بأنني مدين لهم بالجميل فأعمالهم كانت في مجملها في مستوى علمي راق.

السؤال الآخر لماذا لم يستطع هؤلاء المؤرخون الكبار الوصول إلى إنتاج أفضل أعمالهم كما تمكن زملاؤهم في تونس والجزائر ومصر وفلسطين ولبنان والعراق.. أو حتى السودان. هذا سؤال آخر يرجع إلى عوامل وظروف داخلية وظروف خارجية.. ظروف معيشية وظروف نظام التعليم والبحث العلمي الأكاديمي.. ووضع الجامعة الليبية إداريا وتعليما أنتم أدرى به مني, والنتيجة وهذه حقيقة أنهم لم يصلوا. بالإضافة إلى هؤلاء هناك فريق كبير من المؤرخين الآخرين الذين درسوا وتخرجوا خلال المرحلة التعليمية الحالية في ليبيا من غير إعداد وبناء علمي رصين من غير أدوات منهجية نقدية من غير أسئلة كما ذكرت ومن غير معرفة بلغات أخرىـ وأنتم تذكرون بأنني في محاضرة بطرابلس ذكرت بأنه في القرن 21 من غير معرفة لغة عالمية واحدة سيبقى الإنسان أمياً ولا يستطيع الباحث أن يقدم مساهمة فاعلة..من الضروري أن يكون هناك إعداد منهجي علمي رصين وإعداد معرفي واسع وعميق بالجهود الإنسانية في مجال دراسة التاريخ والمجتمع وإعداد لغوي ولأنه بدون هذه الأدوات ومن غير بناء مؤسسات تحترم وتعزز حرية البحث العلمي سيكون من الصعوبة وجود المناخات التي تضمن للمؤرخ القدرة على الإنتاج والبحث العلمي. ولهذا وللأسف الشديد يظل الاستثناء الوحيد برأي هو مركز الجهاد وهو موضوع آخر نفضل الحديث عنه فيما بعد .


يفتح قوس يخص مركز الجهاد.. نعود إليه فيما بعد.


أرجو أنني قد أجبت عن سؤال الكتابة الليبية..


نريد أن نسأل عن الكتابة العربية والإسلامية والغربية ما هو تقييمكم لها – خاصة وأنتم تعنون بالاتجاه المقارن، فبقدر ما يهتم الباحث بالمادة التاريخية يهتم برأي ومنهج الباحثين الآخرين.


هذا سؤال جميل ومهم للغاية. يلاحظ أن الكتابة الأكاديمية في ليبيا والكتابة التاريخية العربية بشكل عام هي كتابة نمطية, ومن ناحية التركيز تعكس الرؤية المحلية.. الشائع أن التونسي يكتب عن تونس والجزائري يكتب على الجزائر والمصري يكتب عن مصر ولا يقرؤون بعضهم البعض, وربما نحن نقرأ مثلا كتابات المصريين لعوامل تاريخية ولكن المصريين قد لا يقرؤون إلا نادرا عن أي أحد آخر. في ليبيا وقعنا في نفس المطب القطري العربي وهو الكتابة عن الدولة نفسها أو المجتمع نفسه أو قراءة الكتابات عن ليبيا فقط وأشنع منها مشكلة اللغة نقرأ ما كتب بالعربية فقط ولذا تكون قد حصرت نفسك في إطار ضيق للغاية. هذه مشكلة.. أنا بكثير من الأسى أجد أن جل الكتابات الأكاديمية بما فيها التاريخية تعاني من هذا المثلب الكبير.. من قصر هذه النظرة القطرية الضيقة. للأسف الشديد القراءة عن المجتمعات المعاصرة في أفريقيا وغيرها هي في الحقيقة غرائبية وغريبة للغاية بالنسبة لنا نحن الليبيين فما بالك عن القراءة للمجتمعات الأخرى.. قراءة التاريخ الاجتماعي لأوربا أو آسيا مثل الهند أو بلدان أمريكيا اللاتينية وبشكل جدي ورصين ستجد جل المعلومات في هذه الدراسات قصيرة وشحيحة ومضحكة وهذا شئ مفجع ومخجل. أنا ربما كنت محظوظاً كوني تعلمت في الولايات المتحدة وأقوم بالتدريس هناك وأيضاً ربما الانفتاح المبكر في شبابي وربما بركة الإشراف التي تقودني من مكان إلى أخر أدت إلى أن أنفتح على الآخرين والآخرون انفتحوا على كتاباتي ووجدت نفسي غير معزول.. ولكننا نحن الليبيون كبلد مستعمر في النصف الأول من القرن العشرين عانينا من العنف والتدمير المادي والنفسي والعزل والحصار وبالتالي لدينا كم كبير هائل من المستعمرين والمهمشين. نحن لم نعاني من الاستعمار الاستيطاني فقط الذي دمر كل المؤسسات التي بنيت في العهد العثماني وبالتالي لم يبق لدينا تراكم مثمر مثل الذي حصل في تونس وفي مصر والمغرب وفي لبنان وسوريا والجزيرة العربية وحتى في العراق.

نحن عانينا ونعاني .. وبالتالي أحيانا البلادة الأكاديمية تغيظني لأن التدمير الذي حصل في ليبيا مختلف تماماً و طال كل المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع الأهلي التي بنيت في المرحلة العثمانية والنصف الثاني من القرن التاسع عشر.. جلها دمر, وهذه تركة نحن نعاني منها وفيها حتى الآن في الدولة الحديثة. أيضاً هناك التراكم لما بعد الاستقلال وإلى حد الآن أنتم أدرى به لظروف تاريخية عديدة.


ومن هذه الناحية الدراسات المتوفرة جلها دراسات إيطالية والدراسات الإيطالية تعاني من التحيز، طبعاً هناك دراسات غير متحيزة لابد من الاعتراف بها ولكن جلها مبنى على الرؤية الاستعمارية محاولة لتقبل التجربة الاستعمارية بشكل عام.. ولأن الباحثين الإيطاليين المعاصرين لا يجيدون اللغة العربية ما عدا القلة منهم ما يزال هذا يخلق نوعا من المشاكل في الفهم ويعيق البحث العلمي الموضوعي, وهناك الدراسات الفرنسية المتخصصة رغم تحيزها على مصر وتونس والجزائر والدراسات الفرنسية والإنجليزية على مصر.. هذه الجهود ورغم ملاحظاتنا النقدية لم نجن ثمارها بعد كما جني ثمارها غيرنا الذين عندما بدأوا وجدوا هناك تراكمات عديدة، صحيح تحتاج إلى نقد؟ نعم ولكنها تساعد في تقديم إضاءات وتكوين قاعدة للبحث. على أية حال نحن بدأناـ وهذا ضروري ـ بهذا التراث الأكاديمي الاستعماري وبالدراسات الأخرى التي جاءت بشكل بسيط مثل كتابات الانثروبولوجيين الإنجليز والأمريكان وغيرهم الذين جاءوا إلى ليبيا وزاروا أوجله وسوكنه وبرقة وغيرها وقد يكونوا هؤلاء قدموا شيئا عن مجتمعنا بصرف النظر عن أهدافهم, أعترف بهذا. ولكن هناك أيضاً قطيعة بسبب الصراع ما بين الدولة الليبية والدولة الثورية التي نشأت بعد التسع والستين وأيضاً بسبب الصراع مع الدول الأوربية وبالذات الولايات المتحدة وقد أدى هذا إلى الانقطاع في استمرار تراكمات الدراسات التاريخية عن ليبيا، ولكن هناك استثناءات مثل جهود الدكتورة ليزا أندرسون من جامعة كولومبيا وصديقي ديرج ماندلوبين وغيرهم.. هناك خمسة أو ستة أسماء لأساتذة مهمين، ولكن هذه الدراسات قد لا تعنى الكثير. الدراسات شحيحة وإلى حد الآن الكتّاب والدارسون الغربيون يعترفون بأنهم لا يعرفون الكثير عن ليبيا ومع ذلك فهذه الدراسات لابد من الإلمام بها ولذا الأمر يتطلب تعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية والإيطالية لقراءتها ونقدها والتفاعل معها ولكن هذا للأسف الشديد غائب حتى الآن؛ لأن هناك تمجيداً للذات أو كما يقال في التعبير الأمريكي أنك في حالة دفاعية .. واضعاً تروساً وجسوراً ومتقوقعاً داخل أسوار.. وكأن هناك مؤامرة في كل جانب وفي كل زاوية.


أنت تولي اهتماما كبيراً بل وتشيد بما تسميه الجماعات المهمشة والناس العاديين.. أولاً سنسأل من هم المهمشون اجتماعيا في التاريخ الإنساني و في التاريخ الليبي. هل هم الصعاليك في التاريخ العربي أو الهيبز في أوربا أو الغجر ..أيضاً ما علاقة ذلك بنماذج المتمرد واللامنتمي والاوت سايدر الخارجي إلخ ..هل هم المهمشون المغتربون طبقياً واجتماعيا. هل دراساتك تخص جماعات أم طبقات أم شعوبا.. التهميش قد يكون حدث ويحدث في فترات تاريخية بسبب قوانين الصراع الاجتماعي بأشكاله المتعددة فيتهمش أفراداً أو جماعات أو شعوباً أو طبقات عن الفعل والحركة والمساهمة.. ماذا يضيف المهمشون إلى الحقل المعرفي أو الدراسة العلمية.


أرى أن هناك اتجاهاً عاماً سائدا هو اتجاه الفئات الوسطى والعليا في الكتابات التاريخية عموما والعربية والليبية بشكل خاص. مثلاً مؤرخو المقاومة الليبية ومنهم الشيخ الطاهر الزاوي الذي أعتبره من أهم مؤرخي تلك الفترة الذين جاهدوا وكتبوا عن هذه التجربة بأنفسهم. كان راديكاليا بكل معنى رغم أنه كان جهوياً إلى حد ما.. كتب كتابه عن القبائل والزعامات وعن التاريخ العثماني ولكنه كان تاريخ الولاة والسلاطين والباشاوات. وهذا هو الشائع في الكتابات التاريخية .

دائما تذكر المناهج المدرسية الليبية الوالي الفلاني والأمير الفلاني والملك الفلاني وأيضاً في التاريخ النخبوي الإسلامي الخليفة الفلاني والملك والأمير والسلطان أو الأسرة الحاكمة إلخ ..هناك تحيز معرفي في كتابة التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي والتاريخ الليبي هذه النقطة الأول . النقطة الثانية أيضاً دائما ندير ظهرنا لما يسمى بالمجتمع الأهلي أو المدني الحديث ودائما عندما نحكي عن المجتمع نحكي عن الشعب والجماهير والجموع بشكل عام وتجريدي ولا نجد فيه تفاصيل عن وجوه الناس بمختلف وتنوع فئاتهم وطبقاتهم وأعمالهم ونسائهم ورجالهم وغيرهم.


يستخدم البعض كلمة جمهور


أعتقد أن هذا الكلام فيه الكثير من الديماغوجية لأنه في نهاية الأمر هو خيار أيديولوجي، هل أنت تراهن على الدولة وبناء مؤسساتها بالارتباط بالناس بالمجتمع أم تراهن على ماذا ؟! أتمنى أن يكون إسهامي في الكتابة التاريخية عن المجتمع الليبي وعن منطقة شمال أفريقيا إسهاماً معرفياً بشكل خاص، وفي العلم إسهاما منهجياً بشكل عام. وأنا من قلائل الباحثين الأكاديميين الذين يريدون تركيزاً مهماً وجدياً على التنظير ليس على الدولة فقط ولكن التنظير في ماهية المجتمع الأهلي والمدني الآن، وإذ تذكرتم المحاضرة التي غامرت بإلقائها في مركز الجهاد عن أصول المجتمع الأهلي في ليبيا كنت قد أردت من خلالها جس نبض الجمهور الكريم لفهم شئ معرفي منهجي بغض النظر عن التحليل، هذه هي النقطة الأولى.

النقطة الثانية للأسف الشديد نحن لم نول الاهتمام بالفئات الفقيرة.. مثلاً الفقراء في التاريخ الليبي.. الفقر و الفقراء، القبائل الفقيرة، الجبادة الذين كانوا يعملون اثني عشرة ساعة في اليوم, فقراء الفلاحين في الواحات . لم نول الاهتمام بالقبائل الجائعة التي تغزو أماكن قبائل أخرى، ولم نول الاهتمام كما يجب بالحرفيين والبحارة والفئات الدنيا في المجتمع الليبي، كذلك لم نول الاهتمام بالرقيق والعبيد والشواشنة بشكل جدي وبشكل شجاع. أنا أعنى المهمشين تماماً الجبادة النساء الفقراء الشحاذين الشواشنة العمال بمجال المواني وعمال الحلفاء وعمال المزارع.. في الحقيقة لم نهتم بشكل أشمل بالمجتمع الأهلي.

أرفض أن نتغاضى عن هذه الأشياء وهذه الوقائع وهذه الفئات، وأن نعترف بما لنا وما علينا في الجوانب الإيجابية والجوانب السيئة في مجتمعنا، أرفض أن أمشى مع تيار عدم النظر لها وحاولت أن أنظر لها وأدرسها أيضاً بشكل نقدي كما يجب على الباحث من حيث الأمانة العلمية.

إذا لاحظتم أنا أنظر إلى المجتمع بحب؛ لأنني جئت من عائلة تحب هذا المجتمع. جئت من المنطقة الوسطى وكان تعليمي تعليماً غير شوفيني سواء في أسرتنا أو في القاهرة أو في أمريكا، وأحاول أن أنظر منهجيا وفكريا بعين ناقدة لفهم المضامين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في هذا المجتمع وبما لا يغمض لأي شئ حقه. هناك الكثير من الحب والتعاطف مع كل القبائل وكل الفلاحين ومع الحضر ومع الأرياف والبوادي مع كل الفئات, وهذا ما لاحظه أحد المراجعين لكتابي ..وللأسف الشديد دراساتي عن بلدي الأصلي ليبيا تثير الكثير من الاهتمام النقدي والقيمي خارج ليبيا.


أليس لهذا التهميش علاقة بنشوء الدولة – كدولة نخبوية ،إذا عدنا إلى تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية.


نعم نعم. ولكنني أزعم، مع أنني غير متخصص في التاريخ الإسلامي، أن التاريخ الإسلامي الحقيقي الواقعي لم يكتب بعد. نحن كتبنا التاريخ السلالي والأسري والسلطاني والتاريخ العقائدي الإيماني لكن التاريخ الواقعي للمجتمعات الإسلامية لم يُكتب بعد، وهذا جزء من ورطة العيش في منطقتنا ككل بما فيها ليبيا لأن هناك تابوات كثيرة.. تابو ديني وتابو سياسي وإلخ يجب أن نعترف بهذا أيضاً.


هل من الممكن اعتبار جماعات ثورة الزنج وحركة القرامطة من المهمشين


طبعاً هي فئات وجماعات مهمشة والأكثر تهميشاً من غيرها في مجتمعات تلك الفترة وهي فئات مهمة فعلاً في الحركة والإنتاج.. ولكن ما هي المجتمعات الأهلية، إنها ليست مجتمعات مسلمين وكفار، إنها المجتمع بفئاته وطبقاته المتعددة والمتنوعة والمختلفة.. التجار والعمال والصناع والفلاحين.. المجتمع بفقهائه وجواريه وعبيده ورقيقه وأسراه ومنبوذيه وأيضاً ذوي القدرات الإبداعية فيه. ولهذا أرى أن الحداثةـ وهذا موضوع شائك ـ لا تأتي من الخارج فقط.


هل التاريخ الحقيقي هو البحث في قوانين الصراع والتعاون والمساهمات المتنوعة للقوى والفئات التي تكون المجتمع كوحدة اجتماعية في فترة أو طور تاريخي عبر قضايا وأهداف وليس التاريخ المحض للحوادث أو الوقائع المجردة.


تاريخ المجتمع يبنى على الفعاليات والديناميات والمؤسسات، الأسماء والتواريخ للوقائع هي في الحقيقة أكثر الأشياء تبسيطاً وسهولة ولكن الأساس هو النظر في ما وراء الأحداث ووراء الأسماء وما وراء التفاصيل: وهي الآليات والقوانين والفعاليات والمؤسسات والطرق الإبداعية والعلمية والحيوية في حل المشاكل وفي الصراع من أجل التطوير. هذا لم نكتبه بعد والتاريخ العربي الإسلامي في الحقيقة وللأسف الشديد .. نقطة قبل أن أنساها: نحن الآن ـ ومع ظهور الحركات الإسلامية بتعدديتها التكفيرية منها وغير التكفيرية الإبداعية والرصينة وبحكم الإخطار المحدقة بالمنطقة.. تقهقرنا بشكل شنيع في نقد الذات والفكر النقدي رغم أن الأشياء التي تمس عقيدتنا الإسلامية صارت أكثر تجذراً وتحتاج إلى النظر الحر العميق والجريء ولكن في الوقت نفسه صار لدينا نوع من عدم التسامح وعدم القدرة على التفكير النقدي وهذه كارثة كبرى.. إذا لم نكن قادرين على ممارسة النقد الذاتي وتقبل النقد الذاتي فلا مستقبل لنا جميعا .


استدراك: نذكر مصطلح البروليتاريا الرثة في أدبيات الفكر الاشتراكي ونشير إلى ماركيوز والانتباه إلى فئات الطلاب والزنوج والمهاجرين ثم دراسات كثيرة أضافت الحركات النسائية وغيرها والكتابة عن عمال التراحيل والمياومة. هذا وغيره يؤكد أن لهذه الجماعات أو الفئات دور اجتماعي كبير في الحراك الاجتماعي والدفع باتجاه متغيرات.. ولذا تتوجب دراستهم بجدية لفهم الدور والفاعلية.


هذا الاستدراك مهم. أنا درست هذه الفئات ليس لأنني أحبها فقط ولكن لكي أظهر كم هي فاعلة في التاريخ. هم فاعلون في التاريخ.. مهمشون اجتماعياً واقتصادياً وسياسيا وثقافيا في المجتمع ولكن لهم أدوار مهمة في حركة المجتمع الليبي وتاريخه بشكل عام .

يجب أن نذكر في التاريخ دور الجباد الذي يعمل 12 ساعة يومياً بأغانيه وبأحزانه, والجبادة وهي عملية سحب المياه من الآبار كانت في منتهى الاستغلال للقوى العاملة في تاريخنا. هؤلاء الجبادة كانوا في قاع المجتمع الليبي من كتب عنهم. لقد وجدت كتبا فرنسية تبحث في مسائل وأغراض أخرى تهتم بالجبادة وبرعاة الإبل الذين لا يملكون إبلا .. الرجل البدوي الفقير الذي لا يملك إبلاً ويرعى إبل وقطعان شيوخ القبيلة ذوى المكانة بالقبيلة.. المغارسة أو عملية التخميس. هذه الفئات لم تدرس وهؤلاء شرائح مهمة جداً في النسيج الاجتماعي.

ولكن اسمحوا لي أن أقول شيئاً مهماً في دراساتي وهو هم أساس. أنا أركز كثيراً على المرأة الليبية وليس بشكل أبوي لأنني أعتقد أن لها دوراً لم يدرس بشكل علمي وجدي. المجتمع الليبي مجتمع أبوي مجتمع رجولي أو رجالي وإذا لم نستطع الإنصات إلى المرأة الليبية وهمومها وانشغالاتها, وليس الكلام عنها فقط, فإننا لن نكتشف دورها المهم الذي لعبته كل هذه القرون وكل هذه الفترة التاريخية الطويلة.. وسنظل على السطح إذا لم تنل الحركات النسائية في بلادنا وكل القوى الطليعية غير الرسمية حقوقها المشروعة لتفعيلها فلا مستقبل للمجتمع الليبي.


قبل نهاية اللقاء – الحوار سنتوقف في محطتين أو ثلاث.

في المحطة الأولى نتوقف عند كتابكم الذي تم سحبه من معرض الكتاب منذ سنوات ولا ندري من المسؤول عن ذلك ولمصلحة من. طبعا أحدث هذا الإجراء انزعاجا في الوسط الثقافي وخاصة أنه كان في الوقت نفسه موجوداً ومقروءاً ومدروساً في الكثير من جامعات العالم بل ومرحبا به من كثير من المؤرخين ومن قبل الجامعات. صورة متناقضة.. موقف متناقض ما كنا نتمنى أن يحدث. ننتهز هذه الفرصة لنستطلع أحاسيس الدكتور (علي) ومشاعره عندما يعرف أن كتابه قد قوبل بالصد والمنع.. وهو موضوع يمس الموضوعة التاريخية الليبية العلمية الثقافية، ويتوجب الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد تم تناوله وعرضه لأول مرة في مجلة (لا) من قبل الأستاذ الشاعر والكاتب ( محمد الفقيه صالح ) وكان عرضا طيباً وحافزاً للبحث عن الكتاب و دراسته وقراءته وكان هناك عنوان صغير فرعي لتلك المقالة: (كتاب غير متداول في الأسواق الليبية).


في الواقع.. كان رد فعلى عفويا وهو الشعور بالأسى والحيرة لأن بلدي الأصلي بلدي ليبيا لا يسمح بتداول هذا الكتاب الذي يتناول مرحلة تاريخية مهمة تنتهي باستشهاد عمر المختار.. المرحلة التي ربما نحن الليبيون يجب أن نتفق عليها. وأيضاً شعرت بنوع من الانزعاج وخيبة الأمل والمرارة وخاصة أن هذا الكتاب كان مرشحاً لأهم جائزة علمية في الولايات المتحدة ويدرس في أفضل جامعات العالم بما فيها استراليا وغرب أوربا والولايات المتحدة وغيرها. لم أجد أية إجابة على هذا السؤال، و لا زلت أبحث وألقي الأسئلة لأنني الكاتب والأكاديمي الليبي الوحيد الذي نشر له مركز دراسات الوحدة العربية هذه الأطروحة ولأن الكثير من زملائي في ليبيا سواء في أجهزة الدولة أو قراء أكاديميين وغير أكاديميين ذكروا لي بأنهم أعجبوا بالكتاب وتعلموا منه شيئا جديداً. ولكن الناشر في بيروت ذكر لي أن الكتاب من الناحية الرسمية ممنوع في ليبيا. وأنا لا أدري لماذا ولازلت أطرح هذا السؤال وأرجو أن يفرج عنه لأنه ليس هناك تبرير لمنعه.


المحطة الثانية: تخص مركز دراسات جهاد الليبيين، الذي يكاد أن يكون المؤسسة الوحيدة ـ علميا وثقافياـ التي ما فتئت منذ إنشائها وهي تنجز مهامها وتحاول بإمكانياتها – ورغم أية صعوبات ـ أن تقدم التاريخ الليبي توثيقا مقروءا ومسموعا ومصوراً إلخ. كيف ترى هذه المؤسسة ودورها المتميز وما هو توقعاتكم لهذه المؤسسة التي نقدر دورها الكبير.


أنا أتفق معكم.. وأضيف أن مركز الجهاد هو أهم المؤسسات العلمية الرائعة التي أنشئت بعد الثورة والدكتور محمد الطاهر الحراري المدير والمؤسس للمركز يستحق الكثير من التقدير والامتنان لإدارته لهذا الصرح العلمي المهم ليس في ليبيا فقط وشمال أفريقيا ولكن في مجمل المنطقة العربية والإفريقية. أقدر كثيراً هذه الجهود في إعادة كتابة التاريخ الوطني وبالخصوص التاريخ الشفهي الذي ضاع من الكثير من الشعوب والمجتمعات والدول. ولهذا أعتبر نفسي عضوا فيه ورغم بعد الجغرافيا فقد ساهمت لاحقاً في إغناء هذه التجربة الوطنية بزيارة المركز كل عام وإلقاء المحاضرات وصار لدى الكثير من الأصدقاء والزملاء في هذا المركز وأنا فخور بهذا الانتماء وهذا الدور العلمي المتمكن والواعي لكتابة التاريخ الليبي الشفهي. ولكن وبعد هذا الإنجازـ كما ذكرت لصديقي وأخي الدكتور محمد الجراري وزملائه ـ هناك تحد يظهر الآن: وهو أن ينتقل المركز من مرحلة الكم في تجميع التاريخ الغير رسمي وتاريخ الناس المستعمرين والتاريخ الشفهي إلى مرحلة الكيف والتركيز على الدراسات ذات الطابع التحليلي والمقارن وأيضاً الدراسات التي تطرح الأسئلة الصعبةـ مثل التي طرحت في هذا اللقاء. هذا التحدي هو القفزة النوعية وربما هي أجندة للمستقبل لابد من الشروع في إنجازها الآن. أتمنى أن يحدث هذا وأنا الآن قد صرت جزءا من حوار علمي مفتوح عبر التعاون مع الباحثين في المركز وأعتقد أننا بدأنا في قفزة نوعية كيفية في التحليل التاريخي وأرجو أن تستمر في السنوات القادمة ليس في ليبيا فحسب بل وبالتعاون مع الباحثين من بلدان أخرى وخاصة أوربا وأمريكا والجامعات المرموقة في العالم التي لها اهتمام بالتاريخ الليبي الذي أهمل كثيراً و همش كثيراً والذي لم يعرف حتى الآن بشكل علمي نقدي وبشكل جدير بالاحترام والتقدير.


أشياء كثيرة مؤجلة.. لكن هذا لا يمنع من توجيه سؤال عن ما هو المطلوب في كتابة تاريخنا ما هي الوسيلة ما هي الأداة وبأية مؤسسات وبأية رؤيا؟


الأفراد لا يستطيعون وحدهم كتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي ولذا أعتقد أن الوسيلة تكمن في المؤسسة العلمية والموضوعية الجادة التي تستطيع أن تبني جسورا للباحثين وتقدم لهم العون. وهذا ما قام به مركز الجهاد حتى الآن. الصعوبة تكمن في القدرة على الاستمرارية.. أن تبدأ قوياً وجميلاً وبشكل نقدي هذا مهم ولكن الاستمرارية هي الأهم.

سؤال آخر مشروع: لماذا مركز الجهاد فحسب أين الجامعة ومراكز البحوث أين التعليم الليبي.. التعليم الذي بدأ ينحدر. نحن عندما تخرجنا كأوائل الطلبة من المدارس الليبية في بداية السبعينيات أرسلنا إلى أفضل كلية في مصر كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكنا من المتفوقين فيها وبعثنا بعدها إلي الولايات المتحدة واستطعنا أن ننافس هناك وأن نتعلم في أفضل الجامعات في العالم ليس لأننا عباقرة ولكن لأننا تخرجنا من مؤسسات علمية وتعليمية في ليبيا كانت قادرة على إعداد جيل من الليبيين القادرين على المنافسة والتفوق والاستمرار.

المعضلة التي نعاني منها الآن ليست تطوير مركز الجهاد بل هي انحدار وتدهور المؤسسات الأخرى كالتعليم وغيره وأنتم أدرى بها. أين يتعلم النشء الليبي الآن وماذا يتعلم. أنا لا أعتقد أن الشبيبة الذين يتخرجون الآن من الجامعات الليبية قادرين على التقدم على نحو علمي منهجي سليم.

خلاصة القول نحن لا نريد كاتباً واحداً أو مؤرخاً واحداً أو اثنين أو ثلاثة نريد تنوعا واستمرارية للعديد من شبابنا وشاباتنا الذين يستطيعون مواصلة التعليم عبر إعدادهم وتأهيلهم لممارسة وإنتاج شئ جيد ومفيد قادر على المنافسة وينال التقدير.

أنا في الحقيقة لا أعلم الكثير عن التفاصيل، ولكنني أعتقد أن تأجيل بناء المؤسسات ليس مسألة خيار أو مسألة حوار بل هي موضوع أساس وحيوي وربما ذكرت هذا في كتاباتي ولقاءاتي العديد من المرات. نحن الليبيون لم نحسم بعد بناء الدولة أو مؤسساتها حتى الآن وأن تأجيل هذا السؤال يضعنا في وضع في غاية الفداحة في المستقبل وأمام الأجيال القادمة.. ففي نهاية الأمر نحن لا نريد فقط مركز الجهاد ولكن نريد مؤسسات أخرى تقوم بدورها الفاعل في المجتمع وهذا هو التحدي الأكبر.

في سياق إعداد كوارد لها القدرة على قراءة واستبطان التاريخ.. هل من الممكن القول أنه من الضروري فتح الحوار لمراجعة نقدية للكتابات التاريخية الليبية.. مراجعة المناهج التعليمية أو منهج التعليم بشكل عام في مختلف المراحل وما يقدم فيه عن وقائع تاريخنا ورموزه وأعلامه وقضاياه.. فهناك ضعف كبير جداً في المادة التاريخية بل وتقدم بأساليب إنشائية وغير موضوعية. هل حان زمن النقد.


هناك مشكلتين الأولى استمرارية وتراكم المؤسسات الاجتماعية والسياسية وهذه نحن الليبيين في القرن 21 لم نفلح في إنجازها بعد منذ بداية الغزو الإيطالي وربما حتى الآن, ولهذا فإن ظهور أفكار في كتابات تحاول إبراز التاريخ القبلي والتاريخ الجهوي ليس غريباً لأنه ليس هناك بدائل مؤسسية وتعليمية قوية في المجتمع. وعندما ننظر إلى جيراننا الأقربين فقد نجد هناك مشاكل ولكن تظل هناك استمرارية في مؤسساتهم وفي أسماء شوارعهم وفي جامعاتهم في ميادينهم وصروحهم وفي أشياء أخرى.. نحن لدينا الكثير ولكن لم نكتسب معرفة أهمية التراكمات. أنا اعتقد أن هذه مسألة مهمة جدا.

المشكلة الأخرى التعليم العربي بدرجات مختلفة هو لا يزال تعليماً متخلفاً، بالمقارنة مع التعليم في بلدان أخرى بمعنى أنا أعلم في جامعة بالولايات المتحدة وعلى دراية بأهمية إعداد النشء في الدراسات الأساسية والعليا وما بعدها نأخذ مثالا بسيطا جداً: الطالب الجامعي ... طلاب الجامعة الليبية أو العربية لا يتعلمون المناهج الحديثة.. التحليل النقدي. هناك شئ أكثر أهمية من الكتابة فقط وهو كيف يقرأ هؤلاء النشء.. ماذا وكيف يقرؤون .. كيف يتعلمون أن يكونوا قراء نقديين تحليليين.. هذه من الأشياء المهمة ومن المقومات الأساسية في التعليم الحديث الآن: القدرة على القراءة النقدية الواعية.. النقد ليس بتوضيح أو تبيان الأشياء الناقصة في الكتابة.بل النقد بمعنى ما هو الجدل ما هو الافتراضات ماذا ولماذا وكيف وغيرها من الأسئلة ما هي القراءة الموضوعية علميا ومنهجيا لموضوع البحث والدراسة وأيضاً فهم المادة أحداثا ووقائع وقضايا لغرض استيعابها. هناك مشكلة استيعاب ولهذا وللأسف الشديد أن كتابي الوحيد الذي ترجم إلى اللغة العربيةـ لأن هناك كتابا آخر لم يترجم بعد– لم يتم استيعابه على النحو الأفضل حيث إن الكثير من القراء في ليبيا اهتموا بمناقشة مسألة القبيلة الفلانية أو الزعيم الفلاني وغيره. هؤلاء في نظري لم يفهموا مضامين وحيوية الأسئلة والمسارات الفاعلة الموجودة في المجتمع الليبي والتي حاولت طرحها.

التعليم العربي في الحقيقة تعليم ردئ ولابد من الاعتراف بهذا الواقع ولا يمكن أن نغطي عين الشمس بالغربال. في ليبيا الآن التعليم ردئ ومن غير تعليم قوى وحديث ومعاصر وكفوء لن يكون بوسع الأجيال الجديدة أن تنافس الشبيبة في المجتمعات الأخرى .


المحطة الجديدة: سمعنا عن إنتاجك الجديد الذي يشغلك الآن والذي نأمل أن يكون متميزاً خاصة وأنك تعد له منذ حوالي سبع أو عشر سنوات.. ما هو هذا العمل.


الحقيقة أنني بدأت منذ عشر سنوات في البحث والتنقيب في الأرشيف وفي المقابلات الشفهية وفي الدراسات المقارنة عن المرحلة التي ما بعد كتابي الأول وهي المرحلة ما بين العام 1931 بعد استشهاد عمر المختار إلى الاستقلال 1951 واكتشفت أن هذه المرحلة هي أكثر المراحل غموضاً وتعقيداً وصعوبة ولهذا حتى الآن لم أفلح في إتمام الكتابة. نجحت فقط في الحصول على 80% من المادة الأرشيفية الأصلية لهذه المرحلة وآمل أن تمنحني الجامعة تفرغاً لمدة سنة حتى أبدأ فعليا في الكتابة وأتوقع أن يظهر هذا الكتاب ويرى الضوء في خلال سنتين.

ولكن وللمصادفة أنه بعد أن كرمتني جامعة لندن بإلقاء كلمة الافتتاح الرئيسة في مؤتمر عن الموروث الاستعماري الإيطالي وألقيت محاضرة عن السرد التاريخي الليبي أو كتابات التاريخ الشفهي وعن أغاني وأشعار المعتقلين الليبيين في المعتقلات الفاشية الإيطالية ما بين 1929 و 1933 طلب منى الكثير من زملائي في الجامعات الأوربية والأمريكية وبإلحاح أن أكتب كتاباً مع ترجمة لبعض الإشعار والملاحم التي كتبت في تلك الفترة وعبرت عن المعاناة التي كابدها الليبيون وعن المعارك التي خاضوها ببطولة لأن هناك تجاهل كامل وغياب للذاكرة عن هذا الموضوع في أوربا والولايات المتحدة ، وألحيت بدوري على مركز الجهاد أن يصحح هذا الإهمال بالتركيز على عقد ندوات ومؤتمرات في هذا الشأن إلى جانب الجهود المبذولة في تجميع وتوثيق الروايات الموجودة الشفهية.

وأخيراً أفلحنا في إنجاز مؤتمر دولي عن المعتقلات الفاشية الذي جئت بسببه هذه الأيام إلى طرابلس ونجح هذا المؤتمر في دعوة باحثين من أوربا ومن أمريكيا ومن بلادنا وهذه هي البداية .

أيضا سوف أكتب كتاباً آخر بعد نشر كتابي (الأصوات المنسية) الذي نشرته دار نشر دادرج وهي من أهم الدور الأكاديمية عالمياً وسأنشر كتاباً عنوانه سيكون قريباً من هذا العنوان بالتركيز على المعتقلات من المصادر الشفهية والوثائق الأجنبية والذي آمل أن يؤدي إلى تغيير طبيعة الدراسات الغربية عن الفاشية الإيطالية بشكل عام .

بعدها اعتقد أنني سأعود إلى إتمام هذا الكتاب الثاني الذي أرهقني ولكنه كما اعتقد ربما سيكون في منتهي الأهمية لنا جميعاً ، وليس لدى إجابات جاهزة.. الشئ المهم الذي قلته سابقاً وأكرره في هذا اللقاء .. أنا عندما أكتب ليس لدى إجابات جاهزة أنا أحقق في مجاهل التاريخ وأرشيف التاريخ وذاكرة رواة التاريخ الشفهي ألقي الأسئلة وأبحث عن إجابات وأترك الحقيقة الموضوعية تقودني إلى كتابة هذا التاريخ وهذا هو التحدي الكبير


شكراً لك وها نحن نختم حوارنا بمبتدأ المعرفة والحرية وهو طرح الأسئلة وهو أساس رسالة العالم والمثقف والمعلم.


شكراً لكم. أود أن أقول كلمة أخيرة: أنا سعيد بهذه المقابلة بهذا الحوار بالأمس والليلة لأن الحديث عن البحث العلمي والبحث التاريخي وإسهاماتي خلال 15 سنة في ليبيا كانت أحاديث شخصية وعفوية وأنتما قمتما بأول محاولة منهجية جادة لطرح أسئلة لم تطرح علي إلا في حوارات خارج بلدي، وأنا سعيد بهذه الأسئلة لأنها أثارتني وشكلت تحد لتوضيح أشياء لم أكتب عنها بالعربية بعد وأشياء لم أتناولها باللغة العربية ولهذا أنا سعيد جداً بهذه المقابلة لأنها جادة ومهمة وأرجو أن يجد قراء عراجين فيها ما يفيد .