

حوار مع: الدكتور على عبد اللطيف حميده
2ـ 2
في الشأن التاريخي الليبي.. الأسئلة متعددة. وقد نبدأ هذا الحوار بافتراض– ولا نزعم غير ذلك– افتراض أن التاريخ الليبي يتعرض لمحاولة استيلاء أو هيمنة. هل هذا الافتراض واضح عندما يطرح كسؤال؟
لا هذا السؤال غير واضح
نعطي مثلا ثم نترك لك البقية. مثلا واحد كمفتاح.. عندما يقرأ لكاتب ما يطالب برأس كاتب آخر لأنه كتب عن شخصية تاريخية بما لا يتلاءم مع توجهات هذا الكاتب أو بما لا يتلاءم مع قبيلته ومنطقته.. عندما يقرأ مثل هذا الكلام هل يمكن القول أن التاريخ ممثلا في حوادثه وفي شخصياته يتم الاستيلاء عليه وبمعنى آخر أكثر وضوحا يتحول إلى ملكيات خاصة. هل هذا واضح .
الشق الأخير هو الأكثر وضوحا. هناك مستويات عديدة في كتابة التاريخ الليبي. هناك إنتاج أكاديمي وهناك إنتاج غير أكاديمي وهناك ما أسميه التاريخ القبلي أو الجهوي. هذه أنواع من مستويات الكتابة في التاريخ الليبي. الكتابات التاريخية الليبية ـ وللأسف الشديدـ لم تصل حتى الآن على الأقل في المرحلة الحالية إلى نوع من الاستجماع منهجا ورؤيا على بعض النقاط الأساسية في فهم ودراسة التاريخ الليبي, وهذه لها أسباب وعوامل تاريخية. الإجابة عن السؤال تتطلب تناول جانبين: الأول هو السياق الذي وصلنا إليه في دراسة التاريخ وبعدها نحاول تقييم وفهم هذا الإنتاج الذي تطرح الأسئلة عنه.
مداخلة: يمكن أثناء قراءتنا ومراجعتنا للجهود الليبية في الحقل التاريخي أو الكتابة الليبية للتاريخ هل يتوجب أن نشير أيضا إلى كتابات الآخرين عن بلادنا حيث أنها من الممكن أن تفيدنا موضوعيا ومنهجيا عبر اضاءات مختلفة على التاريخ الليبي وحتى غير الليبي
نجيب عن السؤال الأول ثم بعد ذلك نجيب عن السؤال الثاني
أولاً : الكتابات الليبية عن ليبيا كانت جدلية لأنه وحتى في المرحلة الاستعمارية أيضا... المؤرخون الليبيون المحليون الوطنيون كان يكتبون التاريخ.. الشيخ الطاهر البشتي, السيد أحمد الشريف, سليمان الباروني, عبد الرحمن عزام.. الصحف الوطنية المرصاد, الرقيب وغيرها.. هذه كلها كانت تتناول الأحداث والوقائع.. أيضا صحف المنفى في تونس السيد أحمد زارم و في مصر وسوريا والعراق وفي غيرها..كذلك الكتابات في أوربا في أوساط المنفيين والمهاجرين.
ومن الممكن رصد موضوعة مشتركة أو نوع من الملامح أو القضايا التي تميز الكتابات التاريخية عن ليبيا في القرن العشرين وهي مسألة الصراع من أجل برامج استقلالية. في الأربعينيات انتهت عندما تم ضرب بعض هذه المشاريع ولكن نجاح مشروع واحد أدى إلي تكوين الدولة الليبية والتي كانت إنجازا كبيرا للشعب الليبي ولكن ولادتها كانت مليئة بالمتناقضات.. مليئة بالأسئلة التي لم يستطع الشعب الليبي أو الدولة الليبية في ذلك الوقت أن تجيب عليها وبالتالي جمدت الأسئلة والقراءات في فترة من الفترات .
الكتابة المنهجية الحديثة عن ليبيا بدأت تتنامى ولكن أغلبها في إطار ما يسمى بالشرعية.. شرعية الدولة, وهناك أصوات إما أنها غفيت أو همشت في تلك الفترة .
الملاحظ على الكتابة التاريخية في ليبيا أن مشروع الدولة مشروع ليبيا كبلد كهوية أو ككيان لم يحسم بعد وبالتالي كانت محاولة ترسيخ الاثنين معاً وهذا أدى في الحقيقة إلى نوع من التأجيل ومن الصعوبة في الولادة. عندما نأتي إلى المرحلة المعاصرة نجد أن الأسئلة التي دفنت أو لم تدرس دراسة عميقة أدت إلى نوع من تأجيل حسم كتابة تاريخ ليبيا كمجتمع وليبيا ككيان وكدولة ولأن هذه المسألة لم تحسم بعد سواء من الناحية الأكاديمية أو من ناحية الدراسات المعمقة أو من ناحية المنهج أو الرؤية بدأت الصراعات من أجل إعادة كتابته وخاصة بالتركيز على المرحلة الاستعمارية لأنه في الحقيقة لابد أن نعترف بشدة عنف تلك المرحلة الاستعمارية الاستيطانية.. ونعترف بأن كل التناقضات وكل القضايا الجادة التي كونت المجتمع الليبي كان لها جذورها في المرحلة الاستعمارية .
وبالتالي يلاحظ بأن الصراع الفكري والتاريخي والإيديولوجي الآن مابين قوى وفئات المجتمع الليبي يأخذ منحى إعادة كتابة المرحلة الاستعمارية ولهذا تجد الصراع من أجل إثبات هذه القبيلة أو تلك وزعمائها ورجالها في تلك المرحلة وأيضا تبرز الاتجاهات الجهوية الضيقة الرؤى بل وأيضا أحيانا الاتجاهات النخبوية.. وكل تلك الصراعات التي أدت إلى تحالفات محددة سواء بالتعاون أو التهاون أو الصراع في الداخل أو في الهجرة. ولأن كل هذه الصراعات لم تحسم.. لم تطرح للقراءة الموضوعية والبحث العلمي شرعت الآن في الظهور إلى السطح حاملة سلبيات كثيرة. والخلاصة التي أخرج بها إننا لم نستطع بعد أن نرسخ كتابة الكيان الليبي أو التاريخ الليبي بشكل أفضل يشمل هذه الأسئلة المشروعة .
أيضاً لازالت هناك كما يبدو إشكالية مواطنة وإشكالية هوية لم تحسم حتى الآن لو أننا قرأناها من الخارج ومن ناحية موضوعية. ولهذا ترى العجب: هناك المشاشية يقولون مثلاً أن محمد علي المشاي قائد عظيم وهناك ورفلة تقول أن عبد النبي بلخير وغيرهم وغيرهم وهكذا دواليك.. هذه مجرد أمثلة بسيطة ولكنها مثال على أمثلة عديدة عن دور أباضية الجبل وتحالف الزنتان والرجبان وحيث تجد تمجيد لهذه القبيلة وهذا الزعيم .. تقرأ كتابات عن حرب الجبل هذه التي لم تحسم موضوعيا إلى حد الآن. والحقيقة أنه رغم الاختلاف والتعدد في وجهات النظر أو التحيز لهذا الجانب أو ذاك الجانب الآخر إلا أن المنهج غالبا غير علمي وغير موضوعي والرؤية أيضا رؤية جهوية قبلية في أغلب هذه الكتابات.
ما البديل.. هل يكون بإلغاء التعدد والتناقضات؟
لا. ليس البديل أن نطمس التناقضات والتعددية التي هي من طبيعة كل مجتمع حي كالمجتمع الليبي, ولكن البديل هو كيف نقرأ الخاص والعام, المحلي والجهوي الماضي والحاضر بروح موضوعية حيث نجد هذه التعددية ومن خلالها لا تعني التمزق أو التشرذم أو الخلاف بل تعني التعدد والتنوع والحيوية. وهذا هو الفشل الذي نراه.. وهذا هو التمزق والخلاف أحيانا وكل هذه الظواهر الغريبة السلبية التي تظهر لنا بين الفينة والأخرى.
القصور في القراءة.. هل هو نتيجة الضعف المنهجي أو الرؤى الضيقة أو الانحياز الإيديولوجي أو الشوفيني أم أن التاريخ يكتب وفقاً لأهداف ووقفاً لقضايا. على سبيل المثال هناك كتابات تحاول أن تزيل هذه الحجب وهذه العوائق في دراسة بعض الوقائع ذات الطابع الصراعي العنيف إلى حد الدعوة إلى التسامح الموضوعي..هل توقعنا هذه الكتابات أحياناـ كما ينتقدها البعض ـ في فخ الانتقائية من اجل تقريب وجهات النظر أو إيجاد مبررات لهذا الفعل أو ذاك, بدلاً من كشف السلب وتعريته لتجاوزه. هل لابد من هدف للقراءة على عكس الدراسات ذات الطابع الانتربولوجي التي من الممكن أن تشير إلى التشتت والصراع في مجتمعاتنا؟
أولا لابد من استيعاب مسألة أن كل جيل في كل مكان من العالم يريد قراءة التاريخ من موقعه الزماني المتميز. هذه مسألة حيوية وعالمية في كل المجتمعات وبالتالي ليس من الغرابة أن هناك قراءات جديدة لكل جيل ولكل مرحلة. النقطة الأخرى التي يجب أن نستوعبها وأنا حاولت في أطروحتي, التي طبعت بالعربية في كتاب في بيروت وطبعا طبعت في كتاب باللغة الإنجليزية, الإشارة إليها وهي خصوصية المجتمع الليبي والتحديات التي واجهها ومعاناته القاسية وكفاح أهله وأسئلته المشروعة وإجاباته التاريخية. والفشل الذريع هو القفز على الواقع أو الصمت أو إنكار وجود التعددية والتنوع وحق الاختلاف والخطر على المجتمع يكمن في قوة الهوية القبلية أو الهوية الجهوية وخروجها على السطح على حساب العام الوطني الأشمل.
المشكلة في الكتابات الليبية الآن ليست في وجود كتابات متعددة ولكن في هامشية وغرابة موضوعاتها أحيانا وغالبا في ضعفها المنهجي وقلة مصادرها و معاركها السطحية الطاحنة والغير مبررة.. وكيف نفسرها ألا يؤكد هذا أن هناك نوع من التراجع في الرؤى والأهداف بالمقارنة مع فترة الخمسينات والستينيات وحتى في السبعينيات، حيث كان فيها زخم وطني يحاول أن يبني كيانا واحدا..ً في الأول كان هناك صراع الفيدرالية والسعي إلى بناء كيان موحد ومشاركة أوسع ولكن الضغوط الخارجية والتحولات الداخلية في المجتمع الليبي والدولة الليبية قد تجعل هذا المشروع يتخلخل.. وتشرع الهوية القبلية الجهوية في الظهور بقوة، وهذا موضوع آخر..قد تضمر في وقت ولكنها قد تزداد عنفاً وقوة من مرحلة إلى أخرى, كانت هذه الصراعات موجودة في فترة ماضية ولكن جاءت فترة أخرى واختفت. الآن بدأت تظهر على السطح مرة أخرى من خلال كتابات التخوين أو التمجيد لقبيلة أو لجهة أو لقوى وغيرها.
النقطة الأخيرة للإجابة عن هذا السؤال الذي حاولت أن أجيب عليه، هي ضرورة الإشارة إلى أن القراءة النقدية الواعية متدنية أحيانا للأسف الشديد. هناك إشكالية الهروب إلى الأمام.. وهذه عادة عربية رديئة للغاية فبدلاً من أن تبدأ من الواقع كما هو بتناقضاته بتعدديته وبتنوعه يتم الهروب إلى الأمنيات. المجتمع الليبي كيان كبير من ناحية الجغرافيا رابع دولة في أفريقيا وتاريخياً وبحكم كبر المساحة تواجدت لدينا تعددية جهوية جغرافية وبدلاً من أن نفهمها كنوع من التنوع والتعدد والغنى صرنا نراها ـ بحكم قصر مرحلة الدولة الليبيةـ خطرا. وأيضا هناك مسألة تأجيل استكمال بناء الدولة الليبية ومؤسساتها الأساسية التي أدت إلى أن هذه التوجهات الجهوية والقبلية تظهر على السطح أكثر فأكثر .
قلة من المؤرخين الليبيين يعترفون بأن لدينا تعددية جهوية ودائماً عندما تطرح المسألة سياسياً تعتبر مسألة خطيرة وإقليمية وغيرها من التهم ولكن هذه نظرة قاصرة كأننا نحن العرب سواء على المستوى الاجتماعي الثقافي الحضاري وكأن ليس لدينا طبقات ولا تعددية جهوية إقليمية بدوية وريفية وحضرية. هذه هي المنطقة وهذا هو المجتمع الليبي.. التعدد والتنوع. هذه هي التعددية الحيوية التي لم تستوعب بعد استيعاباً ايجابياً واقعياً يثري المجتمع ويجعله شريكا فاعلا حضاريا. نعم لابد من أن نرى أنفسنا في المرآة كما نحن لنتجاوز السلب.
باختصار.. الكتابات التاريخية متنوعة كما ذكرت وذكرتم لأن الكتابة التاريخية نتاج طبيعي مثلها مثل الإنتاج في الحقول السياسية والثقافية مشروط بمرحلة تاريخية محددة، أما لماذا ظهر في هذه المرحلة وليس في غيرها فهذا سؤال آخر.
يلاحظ في كثير من الكتابات الليبية التاريخية أن الباحث الليبي يغرق في الوقائع التاريخية في حدث كذا و كذا.. ولكنه لا يطرح أسئلة لماذا حدث وما أسباب ذلك بحيث نستطيع أن نتبين حركة ومساهمة مجمل العناصر الدافعة لحركة التاريخ. هل الباحث الليبي لا يستهدف استنطاق الوقائع من أجل الوصول إلى مفاهيم علمية وقوانين اجتماعية ذات شأن. هل نفتقد السؤال.. هل ليس للباحث الليبي قضية؟!
هناك نقطتان في هذا الإطار. الكتابة التاريخية.. أو كتابة التاريخ الليبي تقريباً وإلى حد كبير جاءت متأخرة. هناك طبعاً المؤرخون الذين عاصروا المرحلة الاستعمارية في حركة المقاومة أو ارتبطوا بالدولة الاستعمارية. و بعد الاستقلال وفي بلد مدمر مهمش متعب ومجهد من خلال الفترة الاستعمارية الفاشية, بدأ المؤرخ الأكاديمي الحديث أيضا متأخراً ومن هذا الجيل الذي تعلم الأستاذ مصطفى بعيو والأستاذ بازامة وكانا بعد الأستاذ محمد بن مسعود فشيكة والشيخ الطاهر الزاوي مؤرخنا الكبير وبعد السنوسي الغزالي والطيب الأشهب .. هؤلاء إما كانوا رجال دين فقهاء أو صحفيين.. الأستاذ بعيو خريج جامعة الإسكندرية.. ويكاد يكون أول مؤرخ حديث هو الأستاذ فشيكة خريج دار العلوم.
الجيل الثاني كان أفضل إعدادا, وتشكل من الطلاب الذين تعلموا في الجامعة الليبية ببنغازي ثم أرسل جلهم تقريباً إلى الولايات المتحدة وبعضهم إلى فرنسا وهناك تعلموا في جامعات ذات تقاليد عريقة وعلمية متقدمة في دراسة التاريخ سواء في التاريخ العربي الإسلامي أو الإفريقي أو التاريخ بشكل عام ولم يكملوا دراساتهم ويرجعوا إلى ليبيا إلا في بداية الثمانينيات وعلى سبيل الذكر الدكتور محمد الجراري والدكتور عقيلة البربار والدكتور محمود أبوصوة والدكتور عبد المولى الحرير والدكتور عبد الله إبراهيم والدكتور صلاح الدين السوري والدكتور حبيب وداعة.
هؤلاء اعتبرهم كبار مؤرخينا وإلى حد كبير ليس من الإنصاف القول بأنهم يغرقون في التفاصيل والهوامش. الدكتور حبيب وداعة مثلا كان له إسهامه في إنقاذ المصادر التاريخية لدولة أولاد محمد وهذا عمل مهم وخالد كما ذكرت في أحد محاضراتي بطرابلس.. وهذا مثال فقط.
هؤلاء بدأوا تأسيس المدرسة الليبية الحديثة في كتابة التاريخ وكتبوا في المسائل نفسها التي تضمنتها أطروحاتي وجهودهم جيدة من الناحية العلمية ولا شك أنه أعمالهم تقدر على مستوى عالمي معاصر ولكن الاستمرارية في الكتابة التاريخية تحكمها الظروف الاجتماعية و السياسية والتعليمية في ليبيا وظروف الصراع والحصار وغيرها ..
ولهذا لا أعتقد أن هؤلاء المؤرخين الليبيين الكبار من الجيل الثاني والذين أنا أقف على أكتافهم كما أقف على أكتاف من سبقهم مثل الشيخ الطاهر وبازامه وغيرهم ـ لأنني انتمى إلى الجيل الثالث في الواقع ـ لم يحاولوا كتابة موضوعية وعلمية للتاريخ الليبي ولم يستهدفوا استنطاق القوانين الاجتماعية التاريخية للمجتمع الليبي.. ولكنهم ولظروف عديدة ربما لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أقصى نضجهم وعلمهم.. الطيب الأشهب كان أحدهم وقد اقترب أكثر.
النتاج الليبي العلمي التاريخي بدأ بزخم لكن المؤرخ يحتاج إلى فترة من الزمن حتى يستطيع أن يصل إلى أوج نضج الأدوات المنهجية والعلمية ولهذا ربما وهذا ليس من الإنصاف ولكنني أريد أن أجادل وأقول بأنه لم يستطع هؤلاء المؤرخون الوصول إلى إنتاج أفضل ما لديهم .
ورغم الملاحظات التي تطرح للجدل لغرض تطوير الكتابة التاريخية.. أنا قرأت نتاجهم كل أطروحاتهم في الجامعات الغربية والمحترمة جداً واعترف بأنني مدين لهم بالجميل فأعمالهم كانت في مجملها في مستوى علمي راق.
السؤال الآخر لماذا لم يستطع هؤلاء المؤرخون الكبار الوصول إلى إنتاج أفضل أعمالهم كما تمكن زملاؤهم في تونس والجزائر ومصر وفلسطين ولبنان والعراق.. أو حتى السودان. هذا سؤال آخر يرجع إلى عوامل وظروف داخلية وظروف خارجية.. ظروف معيشية وظروف نظام التعليم والبحث العلمي الأكاديمي.. ووضع الجامعة الليبية إداريا وتعليما أنتم أدرى به مني, والنتيجة وهذه حقيقة أنهم لم يصلوا. بالإضافة إلى هؤلاء هناك فريق كبير من المؤرخين الآخرين الذين درسوا وتخرجوا خلال المرحلة التعليمية الحالية في ليبيا من غير إعداد وبناء علمي رصين من غير أدوات منهجية نقدية من غير أسئلة كما ذكرت ومن غير معرفة بلغات أخرىـ وأنتم تذكرون بأنني في محاضرة بطرابلس ذكرت بأنه في القرن 21 من غير معرفة لغة عالمية واحدة سيبقى الإنسان أمياً ولا يستطيع الباحث أن يقدم مساهمة فاعلة..من الضروري أن يكون هناك إعداد منهجي علمي رصين وإعداد معرفي واسع وعميق بالجهود الإنسانية في مجال دراسة التاريخ والمجتمع وإعداد لغوي ولأنه بدون هذه الأدوات ومن غير بناء مؤسسات تحترم وتعزز حرية البحث العلمي سيكون من الصعوبة وجود المناخات التي تضمن للمؤرخ القدرة على الإنتاج والبحث العلمي. ولهذا وللأسف الشديد يظل الاستثناء الوحيد برأي هو مركز الجهاد وهو موضوع آخر نفضل الحديث عنه فيما بعد .
يفتح قوس يخص مركز الجهاد.. نعود إليه فيما بعد.
أرجو أنني قد أجبت عن سؤال الكتابة الليبية..
نريد أن نسأل عن الكتابة العربية والإسلامية والغربية ما هو تقييمكم لها – خاصة وأنتم تعنون بالاتجاه المقارن، فبقدر ما يهتم الباحث بالمادة التاريخية يهتم برأي ومنهج الباحثين الآخرين.
هذا سؤال جميل ومهم للغاية. يلاحظ أن الكتابة الأكاديمية في ليبيا والكتابة التاريخية العربية بشكل عام هي كتابة نمطية, ومن ناحية التركيز تعكس الرؤية المحلية.. الشائع أن التونسي يكتب عن تونس والجزائري يكتب على الجزائر والمصري يكتب عن مصر ولا يقرؤون بعضهم البعض, وربما نحن نقرأ مثلا كتابات المصريين لعوامل تاريخية ولكن المصريين قد لا يقرؤون إلا نادرا عن أي أحد آخر. في ليبيا وقعنا في نفس المطب القطري العربي وهو الكتابة عن الدولة نفسها أو المجتمع نفسه أو قراءة الكتابات عن ليبيا فقط وأشنع منها مشكلة اللغة نقرأ ما كتب بالعربية فقط ولذا تكون قد حصرت نفسك في إطار ضيق للغاية. هذه مشكلة.. أنا بكثير من الأسى أجد أن جل الكتابات الأكاديمية بما فيها التاريخية تعاني من هذا المثلب الكبير.. من قصر هذه النظرة القطرية الضيقة. للأسف الشديد القراءة عن المجتمعات المعاصرة في أفريقيا وغيرها هي في الحقيقة غرائبية وغريبة للغاية بالنسبة لنا نحن الليبيين فما بالك عن القراءة للمجتمعات الأخرى.. قراءة التاريخ الاجتماعي لأوربا أو آسيا مثل الهند أو بلدان أمريكيا اللاتينية وبشكل جدي ورصين ستجد جل المعلومات في هذه الدراسات قصيرة وشحيحة ومضحكة وهذا شئ مفجع ومخجل. أنا ربما كنت محظوظاً كوني تعلمت في الولايات المتحدة وأقوم بالتدريس هناك وأيضاً ربما الانفتاح المبكر في شبابي وربما بركة الإشراف التي تقودني من مكان إلى أخر أدت إلى أن أنفتح على الآخرين والآخرون انفتحوا على كتاباتي ووجدت نفسي غير معزول.. ولكننا نحن الليبيون كبلد مستعمر في النصف الأول من القرن العشرين عانينا من العنف والتدمير المادي والنفسي والعزل والحصار وبالتالي لدينا كم كبير هائل من المستعمرين والمهمشين. نحن لم نعاني من الاستعمار الاستيطاني فقط الذي دمر كل المؤسسات التي بنيت في العهد العثماني وبالتالي لم يبق لدينا تراكم مثمر مثل الذي حصل في تونس وفي مصر والمغرب وفي لبنان وسوريا والجزيرة العربية وحتى في العراق.
نحن عانينا ونعاني .. وبالتالي أحيانا البلادة الأكاديمية تغيظني لأن التدمير الذي حصل في ليبيا مختلف تماماً و طال كل المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع الأهلي التي بنيت في المرحلة العثمانية والنصف الثاني من القرن التاسع عشر.. جلها دمر, وهذه تركة نحن نعاني منها وفيها حتى الآن في الدولة الحديثة. أيضاً هناك التراكم لما بعد الاستقلال وإلى حد الآن أنتم أدرى به لظروف تاريخية عديدة.
ومن هذه الناحية الدراسات المتوفرة جلها دراسات إيطالية والدراسات الإيطالية تعاني من التحيز، طبعاً هناك دراسات غير متحيزة لابد من الاعتراف بها ولكن جلها مبنى على الرؤية الاستعمارية محاولة لتقبل التجربة الاستعمارية بشكل عام.. ولأن الباحثين الإيطاليين المعاصرين لا يجيدون اللغة العربية ما عدا القلة منهم ما يزال هذا يخلق نوعا من المشاكل في الفهم ويعيق البحث العلمي الموضوعي, وهناك الدراسات الفرنسية المتخصصة رغم تحيزها على مصر وتونس والجزائر والدراسات الفرنسية والإنجليزية على مصر.. هذه الجهود ورغم ملاحظاتنا النقدية لم نجن ثمارها بعد كما جني ثمارها غيرنا الذين عندما بدأوا وجدوا هناك تراكمات عديدة، صحيح تحتاج إلى نقد؟ نعم ولكنها تساعد في تقديم إضاءات وتكوين قاعدة للبحث. على أية حال نحن بدأناـ وهذا ضروري ـ بهذا التراث الأكاديمي الاستعماري وبالدراسات الأخرى التي جاءت بشكل بسيط مثل كتابات الانثروبولوجيين الإنجليز والأمريكان وغيرهم الذين جاءوا إلى ليبيا وزاروا أوجله وسوكنه وبرقة وغيرها وقد يكونوا هؤلاء قدموا شيئا عن مجتمعنا بصرف النظر عن أهدافهم, أعترف بهذا. ولكن هناك أيضاً قطيعة بسبب الصراع ما بين الدولة الليبية والدولة الثورية التي نشأت بعد التسع والستين وأيضاً بسبب الصراع مع الدول الأوربية وبالذات الولايات المتحدة وقد أدى هذا إلى الانقطاع في استمرار تراكمات الدراسات التاريخية عن ليبيا، ولكن هناك استثناءات مثل جهود الدكتورة ليزا أندرسون من جامعة كولومبيا وصديقي ديرج ماندلوبين وغيرهم.. هناك خمسة أو ستة أسماء لأساتذة مهمين، ولكن هذه الدراسات قد لا تعنى الكثير. الدراسات شحيحة وإلى حد الآن الكتّاب والدارسون الغربيون يعترفون بأنهم لا يعرفون الكثير عن ليبيا ومع ذلك فهذه الدراسات لابد من الإلمام بها ولذا الأمر يتطلب تعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية والإيطالية لقراءتها ونقدها والتفاعل معها ولكن هذا للأسف الشديد غائب حتى الآن؛ لأن هناك تمجيداً للذات أو كما يقال في التعبير الأمريكي أنك في حالة دفاعية .. واضعاً تروساً وجسوراً ومتقوقعاً داخل أسوار.. وكأن هناك مؤامرة في كل جانب وفي كل زاوية.
أنت تولي اهتماما كبيراً بل وتشيد بما تسميه الجماعات المهمشة والناس العاديين.. أولاً سنسأل من هم المهمشون اجتماعيا في التاريخ الإنساني و في التاريخ الليبي. هل هم الصعاليك في التاريخ العربي أو الهيبز في أوربا أو الغجر ..أيضاً ما علاقة ذلك بنماذج المتمرد واللامنتمي والاوت سايدر الخارجي إلخ ..هل هم المهمشون المغتربون طبقياً واجتماعيا. هل دراساتك تخص جماعات أم طبقات أم شعوبا.. التهميش قد يكون حدث ويحدث في فترات تاريخية بسبب قوانين الصراع الاجتماعي بأشكاله المتعددة فيتهمش أفراداً أو جماعات أو شعوباً أو طبقات عن الفعل والحركة والمساهمة.. ماذا يضيف المهمشون إلى الحقل المعرفي أو الدراسة العلمية.
أرى أن هناك اتجاهاً عاماً سائدا هو اتجاه الفئات الوسطى والعليا في الكتابات التاريخية عموما والعربية والليبية بشكل خاص. مثلاً مؤرخو المقاومة الليبية ومنهم الشيخ الطاهر الزاوي الذي أعتبره من أهم مؤرخي تلك الفترة الذين جاهدوا وكتبوا عن هذه التجربة بأنفسهم. كان راديكاليا بكل معنى رغم أنه كان جهوياً إلى حد ما.. كتب كتابه عن القبائل والزعامات وعن التاريخ العثماني ولكنه كان تاريخ الولاة والسلاطين والباشاوات. وهذا هو الشائع في الكتابات التاريخية .
دائما تذكر المناهج المدرسية الليبية الوالي الفلاني والأمير الفلاني والملك الفلاني وأيضاً في التاريخ النخبوي الإسلامي الخليفة الفلاني والملك والأمير والسلطان أو الأسرة الحاكمة إلخ ..هناك تحيز معرفي في كتابة التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي والتاريخ الليبي هذه النقطة الأول . النقطة الثانية أيضاً دائما ندير ظهرنا لما يسمى بالمجتمع الأهلي أو المدني الحديث ودائما عندما نحكي عن المجتمع نحكي عن الشعب والجماهير والجموع بشكل عام وتجريدي ولا نجد فيه تفاصيل عن وجوه الناس بمختلف وتنوع فئاتهم وطبقاتهم وأعمالهم ونسائهم ورجالهم وغيرهم.
يستخدم البعض كلمة جمهور
أعتقد أن هذا الكلام فيه الكثير من الديماغوجية لأنه في نهاية الأمر هو خيار أيديولوجي، هل أنت تراهن على الدولة وبناء مؤسساتها بالارتباط بالناس بالمجتمع أم تراهن على ماذا ؟! أتمنى أن يكون إسهامي في الكتابة التاريخية عن المجتمع الليبي وعن منطقة شمال أفريقيا إسهاماً معرفياً بشكل خاص، وفي العلم إسهاما منهجياً بشكل عام. وأنا من قلائل الباحثين الأكاديميين الذين يريدون تركيزاً مهماً وجدياً على التنظير ليس على الدولة فقط ولكن التنظير في ماهية المجتمع الأهلي والمدني الآن، وإذ تذكرتم المحاضرة التي غامرت بإلقائها في مركز الجهاد عن أصول المجتمع الأهلي في ليبيا كنت قد أردت من خلالها جس نبض الجمهور الكريم لفهم شئ معرفي منهجي بغض النظر عن التحليل، هذه هي النقطة الأولى.
النقطة الثانية للأسف الشديد نحن لم نول الاهتمام بالفئات الفقيرة.. مثلاً الفقراء في التاريخ الليبي.. الفقر و الفقراء، القبائل الفقيرة، الجبادة الذين كانوا يعملون اثني عشرة ساعة في اليوم, فقراء الفلاحين في الواحات . لم نول الاهتمام بالقبائل الجائعة التي تغزو أماكن قبائل أخرى، ولم نول الاهتمام كما يجب بالحرفيين والبحارة والفئات الدنيا في المجتمع الليبي، كذلك لم نول الاهتمام بالرقيق والعبيد والشواشنة بشكل جدي وبشكل شجاع. أنا أعنى المهمشين تماماً الجبادة النساء الفقراء الشحاذين الشواشنة العمال بمجال المواني وعمال الحلفاء وعمال المزارع.. في الحقيقة لم نهتم بشكل أشمل بالمجتمع الأهلي.
أرفض أن نتغاضى عن هذه الأشياء وهذه الوقائع وهذه الفئات، وأن نعترف بما لنا وما علينا في الجوانب الإيجابية والجوانب السيئة في مجتمعنا، أرفض أن أمشى مع تيار عدم النظر لها وحاولت أن أنظر لها وأدرسها أيضاً بشكل نقدي كما يجب على الباحث من حيث الأمانة العلمية.
إذا لاحظتم أنا أنظر إلى المجتمع بحب؛ لأنني جئت من عائلة تحب هذا المجتمع. جئت من المنطقة الوسطى وكان تعليمي تعليماً غير شوفيني سواء في أسرتنا أو في القاهرة أو في أمريكا، وأحاول أن أنظر منهجيا وفكريا بعين ناقدة لفهم المضامين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في هذا المجتمع وبما لا يغمض لأي شئ حقه. هناك الكثير من الحب والتعاطف مع كل القبائل وكل الفلاحين ومع الحضر ومع الأرياف والبوادي مع كل الفئات, وهذا ما لاحظه أحد المراجعين لكتابي ..وللأسف الشديد دراساتي عن بلدي الأصلي ليبيا تثير الكثير من الاهتمام النقدي والقيمي خارج ليبيا.
أليس لهذا التهميش علاقة بنشوء الدولة – كدولة نخبوية ،إذا عدنا إلى تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية.
نعم نعم. ولكنني أزعم، مع أنني غير متخصص في التاريخ الإسلامي، أن التاريخ الإسلامي الحقيقي الواقعي لم يكتب بعد. نحن كتبنا التاريخ السلالي والأسري والسلطاني والتاريخ العقائدي الإيماني لكن التاريخ الواقعي للمجتمعات الإسلامية لم يُكتب بعد، وهذا جزء من ورطة العيش في منطقتنا ككل بما فيها ليبيا لأن هناك تابوات كثيرة.. تابو ديني وتابو سياسي وإلخ يجب أن نعترف بهذا أيضاً.
هل من الممكن اعتبار جماعات ثورة الزنج وحركة القرامطة من المهمشين
طبعاً هي فئات وجماعات مهمشة والأكثر تهميشاً من غيرها في مجتمعات تلك الفترة وهي فئات مهمة فعلاً في الحركة والإنتاج.. ولكن ما هي المجتمعات الأهلية، إنها ليست مجتمعات مسلمين وكفار، إنها المجتمع بفئاته وطبقاته المتعددة والمتنوعة والمختلفة.. التجار والعمال والصناع والفلاحين.. المجتمع بفقهائه وجواريه وعبيده ورقيقه وأسراه ومنبوذيه وأيضاً ذوي القدرات الإبداعية فيه. ولهذا أرى أن الحداثةـ وهذا موضوع شائك ـ لا تأتي من الخارج فقط.
هل التاريخ الحقيقي هو البحث في قوانين الصراع والتعاون والمساهمات المتنوعة للقوى والفئات التي تكون المجتمع كوحدة اجتماعية في فترة أو طور تاريخي عبر قضايا وأهداف وليس التاريخ المحض للحوادث أو الوقائع المجردة.
تاريخ المجتمع يبنى على الفعاليات والديناميات والمؤسسات، الأسماء والتواريخ للوقائع هي في الحقيقة أكثر الأشياء تبسيطاً وسهولة ولكن الأساس هو النظر في ما وراء الأحداث ووراء الأسماء وما وراء التفاصيل: وهي الآليات والقوانين والفعاليات والمؤسسات والطرق الإبداعية والعلمية والحيوية في حل المشاكل وفي الصراع من أجل التطوير. هذا لم نكتبه بعد والتاريخ العربي الإسلامي في الحقيقة وللأسف الشديد .. نقطة قبل أن أنساها: نحن الآن ـ ومع ظهور الحركات الإسلامية بتعدديتها التكفيرية منها وغير التكفيرية الإبداعية والرصينة وبحكم الإخطار المحدقة بالمنطقة.. تقهقرنا بشكل شنيع في نقد الذات والفكر النقدي رغم أن الأشياء التي تمس عقيدتنا الإسلامية صارت أكثر تجذراً وتحتاج إلى النظر الحر العميق والجريء ولكن في الوقت نفسه صار لدينا نوع من عدم التسامح وعدم القدرة على التفكير النقدي وهذه كارثة كبرى.. إذا لم نكن قادرين على ممارسة النقد الذاتي وتقبل النقد الذاتي فلا مستقبل لنا جميعا .
استدراك: نذكر مصطلح البروليتاريا الرثة في أدبيات الفكر الاشتراكي ونشير إلى ماركيوز والانتباه إلى فئات الطلاب والزنوج والمهاجرين ثم دراسات كثيرة أضافت الحركات النسائية وغيرها والكتابة عن عمال التراحيل والمياومة. هذا وغيره يؤكد أن لهذه الجماعات أو الفئات دور اجتماعي كبير في الحراك الاجتماعي والدفع باتجاه متغيرات.. ولذا تتوجب دراستهم بجدية لفهم الدور والفاعلية.
هذا الاستدراك مهم. أنا درست هذه الفئات ليس لأنني أحبها فقط ولكن لكي أظهر كم هي فاعلة في التاريخ. هم فاعلون في التاريخ.. مهمشون اجتماعياً واقتصادياً وسياسيا وثقافيا في المجتمع ولكن لهم أدوار مهمة في حركة المجتمع الليبي وتاريخه بشكل عام .
يجب أن نذكر في التاريخ دور الجباد الذي يعمل 12 ساعة يومياً بأغانيه وبأحزانه, والجبادة وهي عملية سحب المياه من الآبار كانت في منتهى الاستغلال للقوى العاملة في تاريخنا. هؤلاء الجبادة كانوا في قاع المجتمع الليبي من كتب عنهم. لقد وجدت كتبا فرنسية تبحث في مسائل وأغراض أخرى تهتم بالجبادة وبرعاة الإبل الذين لا يملكون إبلا .. الرجل البدوي الفقير الذي لا يملك إبلاً ويرعى إبل وقطعان شيوخ القبيلة ذوى المكانة بالقبيلة.. المغارسة أو عملية التخميس. هذه الفئات لم تدرس وهؤلاء شرائح مهمة جداً في النسيج الاجتماعي.
ولكن اسمحوا لي أن أقول شيئاً مهماً في دراساتي وهو هم أساس. أنا أركز كثيراً على المرأة الليبية وليس بشكل أبوي لأنني أعتقد أن لها دوراً لم يدرس بشكل علمي وجدي. المجتمع الليبي مجتمع أبوي مجتمع رجولي أو رجالي وإذا لم نستطع الإنصات إلى المرأة الليبية وهمومها وانشغالاتها, وليس الكلام عنها فقط, فإننا لن نكتشف دورها المهم الذي لعبته كل هذه القرون وكل هذه الفترة التاريخية الطويلة.. وسنظل على السطح إذا لم تنل الحركات النسائية في بلادنا وكل القوى الطليعية غير الرسمية حقوقها المشروعة لتفعيلها فلا مستقبل للمجتمع الليبي.
قبل نهاية اللقاء – الحوار سنتوقف في محطتين أو ثلاث.
في المحطة الأولى نتوقف عند كتابكم الذي تم سحبه من معرض الكتاب منذ سنوات ولا ندري من المسؤول عن ذلك ولمصلحة من. طبعا أحدث هذا الإجراء انزعاجا في الوسط الثقافي وخاصة أنه كان في الوقت نفسه موجوداً ومقروءاً ومدروساً في الكثير من جامعات العالم بل ومرحبا به من كثير من المؤرخين ومن قبل الجامعات. صورة متناقضة.. موقف متناقض ما كنا نتمنى أن يحدث. ننتهز هذه الفرصة لنستطلع أحاسيس الدكتور (علي) ومشاعره عندما يعرف أن كتابه قد قوبل بالصد والمنع.. وهو موضوع يمس الموضوعة التاريخية الليبية العلمية الثقافية، ويتوجب الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد تم تناوله وعرضه لأول مرة في مجلة (لا) من قبل الأستاذ الشاعر والكاتب ( محمد الفقيه صالح ) وكان عرضا طيباً وحافزاً للبحث عن الكتاب و دراسته وقراءته وكان هناك عنوان صغير فرعي لتلك المقالة: (كتاب غير متداول في الأسواق الليبية).
في الواقع.. كان رد فعلى عفويا وهو الشعور بالأسى والحيرة لأن بلدي الأصلي بلدي ليبيا لا يسمح بتداول هذا الكتاب الذي يتناول مرحلة تاريخية مهمة تنتهي باستشهاد عمر المختار.. المرحلة التي ربما نحن الليبيون يجب أن نتفق عليها. وأيضاً شعرت بنوع من الانزعاج وخيبة الأمل والمرارة وخاصة أن هذا الكتاب كان مرشحاً لأهم جائزة علمية في الولايات المتحدة ويدرس في أفضل جامعات العالم بما فيها استراليا وغرب أوربا والولايات المتحدة وغيرها. لم أجد أية إجابة على هذا السؤال، و لا زلت أبحث وألقي الأسئلة لأنني الكاتب والأكاديمي الليبي الوحيد الذي نشر له مركز دراسات الوحدة العربية هذه الأطروحة ولأن الكثير من زملائي في ليبيا سواء في أجهزة الدولة أو قراء أكاديميين وغير أكاديميين ذكروا لي بأنهم أعجبوا بالكتاب وتعلموا منه شيئا جديداً. ولكن الناشر في بيروت ذكر لي أن الكتاب من الناحية الرسمية ممنوع في ليبيا. وأنا لا أدري لماذا ولازلت أطرح هذا السؤال وأرجو أن يفرج عنه لأنه ليس هناك تبرير لمنعه.
المحطة الثانية: تخص مركز دراسات جهاد الليبيين، الذي يكاد أن يكون المؤسسة الوحيدة ـ علميا وثقافياـ التي ما فتئت منذ إنشائها وهي تنجز مهامها وتحاول بإمكانياتها – ورغم أية صعوبات ـ أن تقدم التاريخ الليبي توثيقا مقروءا ومسموعا ومصوراً إلخ. كيف ترى هذه المؤسسة ودورها المتميز وما هو توقعاتكم لهذه المؤسسة التي نقدر دورها الكبير.
أنا أتفق معكم.. وأضيف أن مركز الجهاد هو أهم المؤسسات العلمية الرائعة التي أنشئت بعد الثورة والدكتور محمد الطاهر الحراري المدير والمؤسس للمركز يستحق الكثير من التقدير والامتنان لإدارته لهذا الصرح العلمي المهم ليس في ليبيا فقط وشمال أفريقيا ولكن في مجمل المنطقة العربية والإفريقية. أقدر كثيراً هذه الجهود في إعادة كتابة التاريخ الوطني وبالخصوص التاريخ الشفهي الذي ضاع من الكثير من الشعوب والمجتمعات والدول. ولهذا أعتبر نفسي عضوا فيه ورغم بعد الجغرافيا فقد ساهمت لاحقاً في إغناء هذه التجربة الوطنية بزيارة المركز كل عام وإلقاء المحاضرات وصار لدى الكثير من الأصدقاء والزملاء في هذا المركز وأنا فخور بهذا الانتماء وهذا الدور العلمي المتمكن والواعي لكتابة التاريخ الليبي الشفهي. ولكن وبعد هذا الإنجازـ كما ذكرت لصديقي وأخي الدكتور محمد الجراري وزملائه ـ هناك تحد يظهر الآن: وهو أن ينتقل المركز من مرحلة الكم في تجميع التاريخ الغير رسمي وتاريخ الناس المستعمرين والتاريخ الشفهي إلى مرحلة الكيف والتركيز على الدراسات ذات الطابع التحليلي والمقارن وأيضاً الدراسات التي تطرح الأسئلة الصعبةـ مثل التي طرحت في هذا اللقاء. هذا التحدي هو القفزة النوعية وربما هي أجندة للمستقبل لابد من الشروع في إنجازها الآن. أتمنى أن يحدث هذا وأنا الآن قد صرت جزءا من حوار علمي مفتوح عبر التعاون مع الباحثين في المركز وأعتقد أننا بدأنا في قفزة نوعية كيفية في التحليل التاريخي وأرجو أن تستمر في السنوات القادمة ليس في ليبيا فحسب بل وبالتعاون مع الباحثين من بلدان أخرى وخاصة أوربا وأمريكا والجامعات المرموقة في العالم التي لها اهتمام بالتاريخ الليبي الذي أهمل كثيراً و همش كثيراً والذي لم يعرف حتى الآن بشكل علمي نقدي وبشكل جدير بالاحترام والتقدير.
أشياء كثيرة مؤجلة.. لكن هذا لا يمنع من توجيه سؤال عن ما هو المطلوب في كتابة تاريخنا ما هي الوسيلة ما هي الأداة وبأية مؤسسات وبأية رؤيا؟
الأفراد لا يستطيعون وحدهم كتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي ولذا أعتقد أن الوسيلة تكمن في المؤسسة العلمية والموضوعية الجادة التي تستطيع أن تبني جسورا للباحثين وتقدم لهم العون. وهذا ما قام به مركز الجهاد حتى الآن. الصعوبة تكمن في القدرة على الاستمرارية.. أن تبدأ قوياً وجميلاً وبشكل نقدي هذا مهم ولكن الاستمرارية هي الأهم.
سؤال آخر مشروع: لماذا مركز الجهاد فحسب أين الجامعة ومراكز البحوث أين التعليم الليبي.. التعليم الذي بدأ ينحدر. نحن عندما تخرجنا كأوائل الطلبة من المدارس الليبية في بداية السبعينيات أرسلنا إلى أفضل كلية في مصر كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكنا من المتفوقين فيها وبعثنا بعدها إلي الولايات المتحدة واستطعنا أن ننافس هناك وأن نتعلم في أفضل الجامعات في العالم ليس لأننا عباقرة ولكن لأننا تخرجنا من مؤسسات علمية وتعليمية في ليبيا كانت قادرة على إعداد جيل من الليبيين القادرين على المنافسة والتفوق والاستمرار.
المعضلة التي نعاني منها الآن ليست تطوير مركز الجهاد بل هي انحدار وتدهور المؤسسات الأخرى كالتعليم وغيره وأنتم أدرى بها. أين يتعلم النشء الليبي الآن وماذا يتعلم. أنا لا أعتقد أن الشبيبة الذين يتخرجون الآن من الجامعات الليبية قادرين على التقدم على نحو علمي منهجي سليم.
خلاصة القول نحن لا نريد كاتباً واحداً أو مؤرخاً واحداً أو اثنين أو ثلاثة نريد تنوعا واستمرارية للعديد من شبابنا وشاباتنا الذين يستطيعون مواصلة التعليم عبر إعدادهم وتأهيلهم لممارسة وإنتاج شئ جيد ومفيد قادر على المنافسة وينال التقدير.
أنا في الحقيقة لا أعلم الكثير عن التفاصيل، ولكنني أعتقد أن تأجيل بناء المؤسسات ليس مسألة خيار أو مسألة حوار بل هي موضوع أساس وحيوي وربما ذكرت هذا في كتاباتي ولقاءاتي العديد من المرات. نحن الليبيون لم نحسم بعد بناء الدولة أو مؤسساتها حتى الآن وأن تأجيل هذا السؤال يضعنا في وضع في غاية الفداحة في المستقبل وأمام الأجيال القادمة.. ففي نهاية الأمر نحن لا نريد فقط مركز الجهاد ولكن نريد مؤسسات أخرى تقوم بدورها الفاعل في المجتمع وهذا هو التحدي الأكبر.
في سياق إعداد كوارد لها القدرة على قراءة واستبطان التاريخ.. هل من الممكن القول أنه من الضروري فتح الحوار لمراجعة نقدية للكتابات التاريخية الليبية.. مراجعة المناهج التعليمية أو منهج التعليم بشكل عام في مختلف المراحل وما يقدم فيه عن وقائع تاريخنا ورموزه وأعلامه وقضاياه.. فهناك ضعف كبير جداً في المادة التاريخية بل وتقدم بأساليب إنشائية وغير موضوعية. هل حان زمن النقد.
هناك مشكلتين الأولى استمرارية وتراكم المؤسسات الاجتماعية والسياسية وهذه نحن الليبيين في القرن 21 لم نفلح في إنجازها بعد منذ بداية الغزو الإيطالي وربما حتى الآن, ولهذا فإن ظهور أفكار في كتابات تحاول إبراز التاريخ القبلي والتاريخ الجهوي ليس غريباً لأنه ليس هناك بدائل مؤسسية وتعليمية قوية في المجتمع. وعندما ننظر إلى جيراننا الأقربين فقد نجد هناك مشاكل ولكن تظل هناك استمرارية في مؤسساتهم وفي أسماء شوارعهم وفي جامعاتهم في ميادينهم وصروحهم وفي أشياء أخرى.. نحن لدينا الكثير ولكن لم نكتسب معرفة أهمية التراكمات. أنا اعتقد أن هذه مسألة مهمة جدا.
المشكلة الأخرى التعليم العربي بدرجات مختلفة هو لا يزال تعليماً متخلفاً، بالمقارنة مع التعليم في بلدان أخرى بمعنى أنا أعلم في جامعة بالولايات المتحدة وعلى دراية بأهمية إعداد النشء في الدراسات الأساسية والعليا وما بعدها نأخذ مثالا بسيطا جداً: الطالب الجامعي ... طلاب الجامعة الليبية أو العربية لا يتعلمون المناهج الحديثة.. التحليل النقدي. هناك شئ أكثر أهمية من الكتابة فقط وهو كيف يقرأ هؤلاء النشء.. ماذا وكيف يقرؤون .. كيف يتعلمون أن يكونوا قراء نقديين تحليليين.. هذه من الأشياء المهمة ومن المقومات الأساسية في التعليم الحديث الآن: القدرة على القراءة النقدية الواعية.. النقد ليس بتوضيح أو تبيان الأشياء الناقصة في الكتابة.بل النقد بمعنى ما هو الجدل ما هو الافتراضات ماذا ولماذا وكيف وغيرها من الأسئلة ما هي القراءة الموضوعية علميا ومنهجيا لموضوع البحث والدراسة وأيضاً فهم المادة أحداثا ووقائع وقضايا لغرض استيعابها. هناك مشكلة استيعاب ولهذا وللأسف الشديد أن كتابي الوحيد الذي ترجم إلى اللغة العربيةـ لأن هناك كتابا آخر لم يترجم بعد– لم يتم استيعابه على النحو الأفضل حيث إن الكثير من القراء في ليبيا اهتموا بمناقشة مسألة القبيلة الفلانية أو الزعيم الفلاني وغيره. هؤلاء في نظري لم يفهموا مضامين وحيوية الأسئلة والمسارات الفاعلة الموجودة في المجتمع الليبي والتي حاولت طرحها.
التعليم العربي في الحقيقة تعليم ردئ ولابد من الاعتراف بهذا الواقع ولا يمكن أن نغطي عين الشمس بالغربال. في ليبيا الآن التعليم ردئ ومن غير تعليم قوى وحديث ومعاصر وكفوء لن يكون بوسع الأجيال الجديدة أن تنافس الشبيبة في المجتمعات الأخرى .
المحطة الجديدة: سمعنا عن إنتاجك الجديد الذي يشغلك الآن والذي نأمل أن يكون متميزاً خاصة وأنك تعد له منذ حوالي سبع أو عشر سنوات.. ما هو هذا العمل.
الحقيقة أنني بدأت منذ عشر سنوات في البحث والتنقيب في الأرشيف وفي المقابلات الشفهية وفي الدراسات المقارنة عن المرحلة التي ما بعد كتابي الأول وهي المرحلة ما بين العام 1931 بعد استشهاد عمر المختار إلى الاستقلال 1951 واكتشفت أن هذه المرحلة هي أكثر المراحل غموضاً وتعقيداً وصعوبة ولهذا حتى الآن لم أفلح في إتمام الكتابة. نجحت فقط في الحصول على 80% من المادة الأرشيفية الأصلية لهذه المرحلة وآمل أن تمنحني الجامعة تفرغاً لمدة سنة حتى أبدأ فعليا في الكتابة وأتوقع أن يظهر هذا الكتاب ويرى الضوء في خلال سنتين.
ولكن وللمصادفة أنه بعد أن كرمتني جامعة لندن بإلقاء كلمة الافتتاح الرئيسة في مؤتمر عن الموروث الاستعماري الإيطالي وألقيت محاضرة عن السرد التاريخي الليبي أو كتابات التاريخ الشفهي وعن أغاني وأشعار المعتقلين الليبيين في المعتقلات الفاشية الإيطالية ما بين 1929 و 1933 طلب منى الكثير من زملائي في الجامعات الأوربية والأمريكية وبإلحاح أن أكتب كتاباً مع ترجمة لبعض الإشعار والملاحم التي كتبت في تلك الفترة وعبرت عن المعاناة التي كابدها الليبيون وعن المعارك التي خاضوها ببطولة لأن هناك تجاهل كامل وغياب للذاكرة عن هذا الموضوع في أوربا والولايات المتحدة ، وألحيت بدوري على مركز الجهاد أن يصحح هذا الإهمال بالتركيز على عقد ندوات ومؤتمرات في هذا الشأن إلى جانب الجهود المبذولة في تجميع وتوثيق الروايات الموجودة الشفهية.
وأخيراً أفلحنا في إنجاز مؤتمر دولي عن المعتقلات الفاشية الذي جئت بسببه هذه الأيام إلى طرابلس ونجح هذا المؤتمر في دعوة باحثين من أوربا ومن أمريكيا ومن بلادنا وهذه هي البداية .
أيضا سوف أكتب كتاباً آخر بعد نشر كتابي (الأصوات المنسية) الذي نشرته دار نشر دادرج وهي من أهم الدور الأكاديمية عالمياً وسأنشر كتاباً عنوانه سيكون قريباً من هذا العنوان بالتركيز على المعتقلات من المصادر الشفهية والوثائق الأجنبية والذي آمل أن يؤدي إلى تغيير طبيعة الدراسات الغربية عن الفاشية الإيطالية بشكل عام .
بعدها اعتقد أنني سأعود إلى إتمام هذا الكتاب الثاني الذي أرهقني ولكنه كما اعتقد ربما سيكون في منتهي الأهمية لنا جميعاً ، وليس لدى إجابات جاهزة.. الشئ المهم الذي قلته سابقاً وأكرره في هذا اللقاء .. أنا عندما أكتب ليس لدى إجابات جاهزة أنا أحقق في مجاهل التاريخ وأرشيف التاريخ وذاكرة رواة التاريخ الشفهي ألقي الأسئلة وأبحث عن إجابات وأترك الحقيقة الموضوعية تقودني إلى كتابة هذا التاريخ وهذا هو التحدي الكبير
شكراً لك وها نحن نختم حوارنا بمبتدأ المعرفة والحرية وهو طرح الأسئلة وهو أساس رسالة العالم والمثقف والمعلم.
شكراً لكم. أود أن أقول كلمة أخيرة: أنا سعيد بهذه المقابلة بهذا الحوار بالأمس والليلة لأن الحديث عن البحث العلمي والبحث التاريخي وإسهاماتي خلال 15 سنة في ليبيا كانت أحاديث شخصية وعفوية وأنتما قمتما بأول محاولة منهجية جادة لطرح أسئلة لم تطرح علي إلا في حوارات خارج بلدي، وأنا سعيد بهذه الأسئلة لأنها أثارتني وشكلت تحد لتوضيح أشياء لم أكتب عنها بالعربية بعد وأشياء لم أتناولها باللغة العربية ولهذا أنا سعيد جداً بهذه المقابلة لأنها جادة ومهمة وأرجو أن يجد قراء عراجين فيها ما يفيد .
