
التحول ووظيفة الكتابة
قراءة في (مسارب) أمين مـــازن
..ونخرج من الجزء الأول للمسارب محمولين على تيار التحول، فالرحم الدافئ – الواحة لم يعد غارقا في بحر الرمال. لقد انهارت حواجز الجغرافيا والاستعمار الفاشستي وكل ما يمثل التحدي الذي فرض على كل مستويات الوجود.. انفتحت آفاق زمن أخر جديد وشكلت مجموعة المتغيرات السياسية والاجتماعية أرضية أساسية للانتقال والخروج، من أثار الحروب الدامية، وضيق البيئة التقليدية، وحصار الفقر والجهل، إلى الزمن الحديث، وذلك عبر أداة رهان تحولات المجتمع الليبي ما بعد الحرب العالمية الثانية: التعليم.
تتبلور سردا عبر حكايات شخصية (للراوي والآخرين) وأحداث تاريخية وظواهر اجتماعية وذلك في لحظة التحولات والتبدلات والتغييرات المتعلقة بالفرد والآخرين، والمهمومة بتشكيل ثقافة أخرى مشدودة بين قطبي التقليد والمعاصرة، والمرتبطة بالواقع الحضاري– الذي هو القاعدة الأساسية لإنتاج الثقافة وبناء الذات.
كان نبض السيرة في جزئها الأول احتفاء بالمكان .. وصارت موضوعة التحول, في جزئها الثاني, دراما المكان والزمان.
إنه التحول– التنقل من الفرد إلي الجماعة، ومن القرية – الواحة إلى المدينة، ومن مجتمع قبلي تقليدي محافظ إلي مجتمع مدني أوسع وأرحب بمؤسساته المحدودة الحديثة القائمة، أو التي يعمل جاهدا على تشكيلها وتعزيز حضورها.
التحول– الوتر المشدود من عنق زجاجة المجتمع المحاصر بالاستعمار والفقر والجهل إلي الوطن المحاصر بالنفط والنهب وهزال البنية مع انفتاحه وارتباطاته العربية والعالمية، وبالتالي نقتفي اثر المسارب مهجوسين بآمال هذا الوطن وأوهامه في النهوض والرقي.
ويكون السرد في السيرة / الشهادة ، معالجة بالتسجيل والتدوين التاريخي والتحليل الاجتماعي، للذات والمجتمع، وقائع وحالات، أسير الانتقاء وهوامش الشروح، وليس من خلال أدب الاعترافات حيث تنفجر الانفعالات وتصدح التوترات وتنهمر سيول التداعي، ولكن من باب القراءة الأخرى المتذبذب بين التسجيل التوثيقي وبين السرد الروائي، وحيث يبدأ عرض الحالة أفقيا- الحدث أو النموذج أو الظاهرة، ثم تقويمها عموديا بوسائل التحليل والنقد التي تختتم أحيانا بالحكمة والموعظة، في تلخيص أو تعليق يستمد أسانيده من ذخيرة الذاكرة الجماعية الشعبية، ويمثل رؤية مشبعة بالأيدولوجيا متميزة هكذا.. بكونها حاملة لخصائص ثقافة تقليدية عميقة إلى جوار خصائص منهج واقعي، ومحافظة على توازنها الواقعي المزعوم استنادا على حائط نظري من مفاهيم ثابتة رغم عمقها الجدلي.
ويتجلى ذلك عبر التأكيد على مفاهيم وعلاقات التشابك، والالتحام، رغم الانقطاعات المتواصلة: حدث تلو حدث وظاهرة متشابكة مع أخرى، ونموذج استثنائي إيجابي، غالبا،لإفراد، بمستويات متعددة، فاعلين في مجالات متعددة: وبرغم اتساع المكان وتبدل الزمان, نرى، في المسارب، الفرد ما يزال جزءا من الجماعة، وتظل بقايا قيود الروابط الاجتماعية الحميمة عالقة وتشد الناس، وتقاليد التعبير الاجتماعي التقليدية المحافظة أداة ومضمونا تمارس تأثيرها في التكوين النفسي، تتمظهر في انحجاب الذات متوارية وخجولة خلف ضمير الغائب، مترفعة عن صغائر الأمور، ودقائقها النفسية الصغيرة، والانفعالات الطائشة، كاتمة لمشاعرها الداخلية الخاصة رغم اتساع هامش فعلها وحركتها باستمرار باتجاه الحرية– حرية العيش في مجتمع مديني.
وتقودنا (المسارب)، عبر تعرجاتها، إلى البدايات، خاتمة كل نهاية.. إلي الواقع المعجون بالأسئلة الأولى من أنا ؟ ومن نحن ؟ وما العمل ؟ وكيف نكون ؟
ونتعثر معها في البحث عن إجاباتها الاجتماعية وهى تفك الأحرف الأولى للانتماء الواعي وهى تضمد جراحات أيام الجمر وتتحير عبر معاناة قاسية اختياراً مفرداً في التعدد مبتدئين بتحديد الهوية والكيان الذي يظهر بحثا عن المعنى في الوجود– ذاتيا وعن معنى الكيان– موضوعيا معايشين بحرارة موقف كاتب بملامح إيجابية منحاز إلي الجديد الإيجابي وعضو فاعل عبر علاقات بطل السيرة من اجل حرية الكلمة والإنسان والوطن .
هذا الكاتب الذي يعتبر الكيان– الوطن ساحة فعل الإنسان، لابد أن توجد وأن تخلق سعيا للحفاظ على توازن الذات وتحقيق انسجامها رغم الصراعات والمتناقضات وحتى لا يقذف بها في الفراغ كحالة متمردة غير قادرة على الحفاظ على أصالتها، وضائعة في بحر الرمال العظيم .
وكان ذلك حين طرأ التغيير والتبدل والتحول في المفاهيم السائدة نظرا لتبدلات الواقع اقتصادا واجتماعا وسياسة– ولانكشاف وضعيته وعدم نضجه وتخلفه– تحت نور الوعي المتكون عند لحظة الممارسة: عن دولة شديدة الضعف والهشاشة غير ملتحمة بالناس مرتبكة الخطى مشوشة الملامح بين الزهد الملكي الرسمي ومجون الطرابيش متكئة على حماية الأجنبي ومرعوبة من جيرانهاـ الأخوة الأشقاء..
فأية إشكالية تطرح أمام الذات والمشروع الحضاري المفترض عبر مسارب وعيها في ذلك الزمن يشكل انقطاعاً ويولد حلما فى دولة حديثة قوية تحقق وحدتها رغم تبعثرها القبلي والجغرافي وتمنح أبنائها حق المشاركة السياسية رغم تهافتها الليبرالي وتجدد موتها رغم شيخوخة مؤسستها المركزية .
ويكون البحث عن الهوية– المعنى اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا وتكون التجربة– الممارسة أداة التكوين, وتكون الذات وهي تعيش قلق الانفكاك والتحول وتراً مشدودا بين شروط واقعها المتخلف المستلب سياسياً والهامشي حضارياً وثقافياً وبين وعيها التاريخي بالحرية والمركب من تجربة الجهاد الوطني ومن حركة النهوض القومي بتياراتها المختلفة وإشعاعات الفكر اليساري.
وتتجلى حركتها عبر كفاحاتها اليومية وراء الرزق وعبر همومها الواعية ساعية لتحقيق وجودها الفعال بإيجاد هويتها الحقيقية سياسيا وتأكيد دورها في صنع مساربها الخاصة صاعدة مع تشكل الطبقة الوسطى بكل فئاتها وشرائحها– والمثقفين خاصة– طليعة التطور الاجتماعي في تلك الفترة وما تلاها وبكل توتراتها وقلقها وترددها وتناقضاتها ومحاولاتها لبناء قواها سياسيا وتأكيد خصوصية دورها مكونة مع أفراد من جيلها- الجماعة الخاصة تيارها المتميز اليساري مفسحة ساحة واسعة وأكثر حميمية لنماذجها الإيجابية الوطنية في السياسة والثقافـة والمجالات الأخرى.. راسمة خطوط معالم مشروع وطني بديل مهما شابه الغموض والأوهام والتناقضات وكوابيس تجارب الأشقاء والجيران.. مشروع بناء وطن له خصوصيته الشديدة مفتوح باتجاه الآخر واحتمالات الحرية.
إنها سيرة الجماعة – الجيل التي يتردد صوتها عاليا عبر حضورها الحر ولذا فأن التاريخ العام – تاريخ المجتمع هو مرجع البحث والمعرفة تتحجب فيه الذات ولا تغيب أوهامها ويتعدد ضمير الغائب– الحاضر, تتصل ألانا بالآخر.. يتصل الحاضر بالماضي لحاجته إليه ويتصل الحاضر بالراهن– فكرا وممارسة لأنه يعترف بالآخر ويحاوره.
دعوة للكتابة الديمقراطية للحوار حول الوطن بوحدته وتنوعه متعدد الأصوات– الآراء والرؤى.. مؤكدة علاقة الكتابة بالتحولات الاجتماعية حيث تكتب ما تشكل وتكون لكي يتشكل ويتكون شيء جديد يهدم شيئا ويخلق غيره الذي يساهم في هدم أخر كي يتكون آخر جديد.
ولذا فالمسارب كثيراً ما تنسرح (أفقيا) عند تلامسها مع الأحداث والظواهر.. وعبر استطرادات موضوعاتها المتعددة, و ترتبك أحيانا لحظة الإفصاح أمام الغاز ومخاطر الواقع. لا تحفر (عميقا) في ذاتها- الشخوص والنماذج إلا من خلال المناخ العام، وعندما تجمع أشيائها المتناثرة وتبنى وحدتها بكثير من العناية والاهتمام .
ولا تعانى إشكالية العلاقة بين الكتابة والسياسة، خاصةً تلك الأسئلة التي أثارها جيل أخر وتفصح عن الخشية من إلغاء الجوهري في الكتابة وتحويلها إلى تابع رغم صراعها في زمنها ضد دمجها وإلغاء صوتها المستقل عند لحظة محاولة تجديد سلطة تنهار.
ولذا فهي في مجال موضوعة الكتابة تشير في عمقها إلى القول بوظيفة الكتابة في المجتمع كعلاقة تؤثر على غيرها من العلاقات وتتأثر بها مثلما تقر البد يهات: إن الإنسان ابن عصره واقعا خشنا وأحلاما سعيدة.. يولد معه ويتطور فيه بشروط الاجتماع والتاريخ و باستنارات الوعي وممارسات الفعل.
إن علاقة الكتابة بالموقف السياسي من حيث الأثر والتأثير مسألة يقررها الرأي الذي تحمله مهما كانت القوى الاجتماعية والسياسية التي تتوافق معه و باعتباره يبدأ من المجتمع ويعود إليها وليست النوايا والتصورات الذاتية فالمحدد الأساسي هو الصراع الاجتماعي الذي يفرض أشكال القراءة والتأويل وما نكسبه من جهودنا إلا شرف المحاولة,وهذا ما نحاوله عبر (المسارب).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق