الأربعاء، 16 سبتمبر 2009

رضـــا بن موسى ــــــــ يوسف الشـــريف




حوار مع: الدكتور على عبد اللطيف حميده

1ـ 2


أولا: سنسأل (كمدخل للحوار) عن المؤرخين الجدد.. كيف ترى هذا التيار أو هذا المصطلح الحديث, وفي أي سياق تضع نفسك.. هل أنت قريب منه أم بعيد. كيف هي الرؤية ؟!


"المؤرخون الجدد" مصطلح ارتبط في الحقيقة بمؤرخين داخل إسرائيل, حيث إنه وبناء على القوانين الإسرائيلية التي تسمح بعد ثلاثين سنة بالاطلاع على الوثائق التاريخية, قام مؤرخون (من ضمنهم بيني مورس و ألان كابيه وسبحت لابان وغيرهم ـ بعضهم ليبراليون وبعضهم يساريون) بدراسة وثائق حرب 1948 ومع نتائج أبحاثهم, التي بدأت تنشر في بداية الثمانينيات, تجلت حقائق عبر أشياء جديدةـ وقائع وأحداث وأسئلة وكانت في مجملها عملية نقد وتصويب لكل الخرافات والأساطير الإسرائيلية عن تلك الحرب وبدأت رؤاهم ونتائج أبحاثهم تقترب إلى حد كبير من السرد الفلسطيني فيما يخص تلك الحرب ـ هؤلاء هم المؤرخون الجدد. ولكنهم مجرد ملاحظة جانبية والأكثر أهمية هو التيار النقدي الذي يدرس ويقرأ تاريخ البلدان المستعمرة وما بعد الاستعمار وأيضا تاريخ أوربا والعالم من منطلق جديد. وقد اصطلح على وصفه بمدرسة أو تيار ما بعد الكولونيالية post colonial وجل كتابها من العالم الثالث.. معظمهم من المؤرخين الهنود, تأثروا بإدوارد سعيد و بغرامشي تحديدا, يطرحون فكرا نقديا جديدا وصاروا الآن أكثر التيارات تأثيرا وكسبوا احتراما وتقديرا كبيرين في أكبر الجامعات الأمريكية والغربية.(نحن للأسف لا نعرف عنهم الكثير في العالم العربي).

والحقيقة أن إسهاماتي الأكاديمية, بشكل عام, تتقاطع مع النظرة النقدية للتاريخ ولكنني انتمى إلى مدرسة أكبر تعرف الآن بدراسة المهمشين وهي الفئات التي أشار إليها غرامشي بالناس الذين هم في الرتب العسكرية الدنيا وكان يعنى بهم المهمشين بشكل عام.. ورغم أن مادة كتبي جلها على شمال أفريقيا وعلى ليبيا بالتحديد فأنا في دراساتي واهتماماتي العلمية المنهجية، أحاول طرح إشكاليات مشابهة لاشكالياتهم ولكن وفي الوقت نفسه لدي نقد لأطروحاتهم. بشكل عام أعتبر نفسي جزءا من تيار ما بعد الكولونيالية بدليل أن كتابي الثاني ما بعد الاستعمار والقومية في المغرب العربي تاريخ الثقافة والسياسة, كان إسهاما مغاربيا من منطلق وجهة نظر ليبية نقدية أكاديمية على هذه الأطروحات الكبيرة التي يواجهها البحث العلمي اليوم .

هذا باختصار شديد ..وإذا تساءلنا ما هي الأطروحات وما هو الجديد الذي يحاولون تقديمه: يقولون إن التركيبة الاستعمارية ..آلية التفكير الاستعماري مازالت تسيطر علينا والحركات القومية النخبوية التي قادت العالم الثالث ومن ضمنها العالم العربي ما تزال في مرحلة رد الفعل حتى بعد مرحلة خروج المستعمر. ظلت الأسئلة كما هي, وظل الفكر الاستعماري والفكر النخبوي القوموجي ـ إذا اعتمدنا اللفظ اللبناني ـ يطرحان الفكرة نفسها: إقطاع – حداثة - الدولة القومية أو الدولة الوطنية هي المثال لبناء التاريخ. ظلت القوى الاجتماعية الكمبرادورية هي المسيطرة وغابت الفئات الأخرى في المجتمع عن المشاركة والحضور. أيضا الفكر اليساري العربي فشل هو الآخر فشلا ذريعا في هذه المسألة لأنه وحتى الآن لا يزال أسيرا لرؤى جاهزة وميكانيكية ولم يبدع مساهمة فاعلة بعد. وما حاولت أن أضيفه شيئا مغايرا قليلا.. أنا أتفق مع النقد بشكل عام منهجيا ولكنني في الحقيقة أمضيت 15 سنة من حياتي الأكاديمية ليس في تنظير الدولة وإنما في فهم واستيعاب ملامح المجتمع الأهلي نفسه.. ليس الشعب فقط أو الدولة فقط.


ليس الشعب فقط أو الدولة فقط بمفاهيم إطلاقية بل البحث في مجمل القوى والفئات التي تشكل المجتمع وتؤثر في حراكه لفهم إمكانيات وآليات العمل ووسائل التطوير؟


ما هو مجتمعنا ما طبيعته ما تكوينه. ما تكوين كل فئاته. ليس الشعب بمفهوم إطلاقي ولا الفئات المسحوقة فقط كما فهم البعض. بالمقابل وبشكل مغاير الذين استوعبوا كتاباتي بعمق أكثر فهموا أن المسألة ليست مسألة قبائل واستعمار وجهاد ومقاومة وناس مهمشين فقط ولكنها تتضمن أيضا طرحا نظريا.. محاولة لطرح أجندة مغايرة في التفكير.

ولهذا أنا منغمس في مهمة بمستويات متعددة من النقد النظري تستهدف استشفاف مضامين ومنهجيات تخص البحث العلمي التاريخي الآن. و لفهم هذه الإشكاليات الجديدة يدور الحوار مع زملاء لي في أوربا وفى استراليا وفى الهند والولايات المتحدة .

وللأسف الشديد لما ترجم كتابي إلي اللغة العربية لم تقرأ الأبعاد التي يستهدفها من الكثيرين ما عدا قلة. كل واحد يفكر: "وين القبيلة الفلانية والأعيان وين اللي طلين ووين اللي ما طلينش.. كلام فاضي". لم يقرأ القراءة النقدية. وبالتالي كان استيعابه والجدل حوله محدودين ولكن الجدل النظري والمنهجي الذي أنا أحاول أن أفكر فيه هو ما يرتبط في الحقيقة بهذه الجماعات كلها ولكن عبر استنطاق قوانين اجتماعية أشمل لحركة المجتمع ككل وعبر الهم الاجتماعي والهم الثقافي من منظور جديد للمسألة. هذه إجابة طويلة لكن على الأقل أعطيتكم بعض الملامح.

أشرت إلى مستويات منهجية ونظرية.. ما هي؟

هناك مستويات, نعم. باختصار هناك هم منهجي ونظري على ليبيا والعالم العربي ولكن أيضا هناك ما بعد العرب. أحاول أن اطرح ذلك بشكل مقارن لأن المشكلة التي أتصارع معها هي كيف أكون ليبيا وعربيا ومسلما وفي الوقت نفسه منفتحا على تيارات أخرى في العالم تثريني وتثريهم ..الإشكالية التي أدركتها وحسمتها مبكرا في الرؤيا والمنهج هي أنه عندما يركز المرء على دولة واحدة أو مجتمع واحد معناها السقوط في مأزق الاستثناء والقوانين الجزئية قصيرة النظر وضيقة الأفق علميا ومعرفيا ولكن عندما تتفتح الرؤى علميا وموضوعيا وتتسلح بالتفكير في دراسة المجتمع والتاريخ بالمنهج المقارن تكتشف أن المجتمع ـ موضوع الدراسة ـ وقوانين حركته وتفاعلاته ليست استثناء وان ثمة مشترك وبذا تصل إلى العام الأقرب إلى الحقيقة الموضوعية. صحيح إن هناك اختلافات وتموضعات خاصة للقوانين العامة ولكن هناك مضامين وفعاليات وديناميات مشتركة تتكشف في المقارنة وتجعلك تفهم خصوصية مجتمع الدراسة بشكل مغاير وأقرب إلى الحقيقة.


يلاحظ غالبا سواء في كتاباتك التي تحتوى مفردات للواقع أو في محاضراتك المتميزة التي تثير فيها إشكاليات البحث والدراسة عن آليات ومنهجيات..يلاحظ اهتمامك بموضوعين رئيسين هما الاقتصاد السياسي والاتجاه المقارن. فإلى أي حد يقترب منهجكم, الذي قد يكون خلاصة مدارس مختلفة, من المنهج الجدلي الديالكتيكي فيما يخص موضوعة الاقتصاد السياسي, وهل الاتجاه المقارن يفتح أمامكم إمكانيات التشابك والتناقض بين أكثر من مجتمع وبالتالي يساعدكم في فهم مجتمعنا– مجتمع الدراسة الذي قد لا يملك حراكا طبقيا اجتماعيا كبيرا.. تمايزت طبقية كبيرة.


بدأت قراءاتي المبكرة في مصر أثناء دراستي الجامعية وتأثرت بهذا المنهج بشكل عام أو بالأصح بالتربية الفكرية القومية المعادية للاستعمار المتفتحة على التيار الاشتراكي. ولكن عندما سافرت إلى الولايات المتحدة عرفت هذه التيارات في مرجعياتها الأصلية ومررت بمراجعة للتفكير الميكانيكي الديالكتيكي القديم. صار عندي نوع من النقد للكتابات الماركسية أو الاشتراكية التي تدعى أنها تتكلم عن الشعب ولكنها ميكانيكية بطريقة فجة للغاية ووصلت إلى تعديل أو إلى منهجية تناقض تفكيري في تلك الفترة فبدلا من المنهج الديالكتيكي أنا أقول بمنهج الاقتصاد السياسي بمعنى أن الإنتاج الفكري أو التيارات الفكرية ليست بالضرورة أن تكون نتاجا ميكانيكا للاقتصاد ولكن مع أهمية وضرورة فهم الخلفية الاقتصادية والاجتماعية الموجودة. هذا أدى إلى إنني تمسكت بالتيار العام الشامل الاجتماعي والاقتصادي .وأعتقد أن رؤيتي للفكر والتاريخ الإسلامي العربي تبدو لي أنها تأسيسا على نقد الفكر الماركسي وبالذات في موضوعة الاستشراق والمركزية الأوربية في هذا الفكر. ولهذا أرى ضرورة تطوير هذا الفكر بحيث يكون أكثر اقترابا من الفكر النقدي العام مع الاستفادة من التيارات النقدية الأخرى والاجتهادات الجديدة سواء في الهند وفى أمريكا واللاتينية وعندنا أيضا مع إعطاء أهمية للثقافة باعتبار أن لها جدالياتها الخاصة واستقلاليتها المتميزة في التعامل مع الواقع الاجتماعي.

هي أذن رحلة طويلة.. ومعاناة طويلة. سأعطي مثالا محددا على هذه المسألة: مثلا الطبقة أو البيئة الاجتماعية لا أنظر إليها كتكوين اقتصادي فقط ولكن كتكوين ثقافي أيضا. وللأسف الشديد في الكتابات العربية.. الفكر الديالكتيكي أو الماركسي التقليدي دائما يظهر لنا بشكل ميكانيكي كيف تصير المسائل كلها انعكاس للاقتصاد وتصير المسألة الثقافية وغيرها هامشية أو بالأحرى ثانوية وهذا ما لم أقتنع به وعندما درست المجتمع الأهلي وجذوره ظهرت لدى المسألة الحقيقية وهي أن إشكالية الديمقراطية أكثر أهمية من الإشكالية الاشتراكية رغم اقترانها بها وبعد الفشل الذريع للأنظمة العربية وخاصة الثورجية والتيارات الرسمية صار إشكال الديمقراطية أكثر أهمية بالنسبة لي ومع ذلك مازلت أحاول من ناحية فكريةـ وأرى ذلك ضروريا ـ الربط ما بين الهم الاجتماعي والهم الديمقراطي .. والحريات.


تيار مابعد الكولونيالية أو الاستعمار..من منظور سياسي ايجابي يعنى محاولة الخروج من خطاب القوة والهيمنة الإمبريالية عن طريق الإنتاج الثقافي كما يشير ادوارد سعيد وغيره. ولكن يخشى أن هذا التيار وهو يتجه نحو التركيز على الثقافات الوطنية والتاريخ الوطني لاستعادته, كما يقال من الغريب أو الأجنبي أومن المستعمر, أن يؤدي إلى إغفال النتاج الآخر وعدم الانفتاح على الثقافة العالمية والحضارة العالمية. ما هو موقفكم من هذا التوجه الوطني الخاص وخاصة أن هناك مخاوفا من العولمة دولا وشعوبا ويخشى أن يكون هذا أحيانا مبررا لبعض القوى المحافظة في الانغلاق والتحجر. كيف ترون إشكالية التركيز على الثقافة والتاريخ الوطني بين الانغلاق والانفتاح لدفعها إلى المشاركة أكثر والحضور في الحضارة والتاريخ العالمي.


ما تعليقي على نظرية ما بعد الكولونيالية في مسألة تمجيد الثقافات الوطنية لمواجهة العولمة والهيمنة العالمية.. أنا واع لهذه المسألة تماما ولهذا يأتي خلافي مع مدرسة ما بعد الكولونيالية أنا انتمى لها لأنني ولدت في بلد مستعمر وهذا ليس خياري.. هذا عبء التاريخ الذي أحمله معي. هناك بالفعل نوع من المثالب في مدرسة مابعد الكولونيالية. فبسبب حالة العبء التاريخي والإسقاط الايجابي على تاريخ ما قبل الاستعمار وكأن كل ما هو سلبي في هذه المجتمعات هو نتاج المرحلة الاستعمارية قد يضعنا دائما في حالة دفاع وأنت محقون في هذا تماما. هذا مأزق نظري ومنهجي. أنا أعتقد أن إيجابية ما بعد الكولونيالية أنها ركزت على الآليات والتأثيرات التي نحن ورثناها من المرحلة الاستعمارية ليس في السياسة فقط بل في المعمار في الأكل في الشرب في مسألة المفاهيم في بناء المؤسسات البوليس الشرطة السجون المستشفيات المصحات العقلية المدارس الحديثة..إلخ ولا أعتقد أن هذه المرحلة انتهت كما يقال ببساطة: انتهت وخلاص .. أنا أعتقد هنا أهمية ما بعد الكولونيالية في ما قدمته من إضافات معرفية ومنهجية تساعد في إدراك أفضل لأوضاعنا الاجتماعية وما طرأ عليها من تغيرات ومدى الصلة والارتباط الوثيق بالعالم وشروط التطور في العصر الحديث.. ولكن يتوجب الوعي بمثالبها التي أشرت إليها. ولهذا اعتقد نفسي في أقرب جانب أتحاور بالأسئلة نفسها خاصة وأنا أعيش في عرين الإمبراطورية – عرين الإمبريالية . وأعتقد أن النقد المنهجي الذي يستطيع أن يحاور ويجادل يتوجب أن يكون على مستويات النقد المزدوج – كما يصفه عبد الكريم الخطيبي ويعنى أن المسألة ليست حالة دفاع أو حالة هجوم. ونحن في البلدان المستعمرة سابقا إذا لم نكن قادرين على النقد الذاتي سنظل نعيش في حالة العجز والتهميش. وأكثر إشكالية نعانيها الآن أن الهيمنة وضعتنا في حالة دفاع وكأن كل شيء لدينا مقدس وهذا هي الطامة الكبرى. هناك جوانب محلية للاستبداد عندنا وجوانب دولية للاستبداد.. وإذا لم نجتهد ولم ننظر بعين ناقدة للاثنين مدركين أن الصراع ليس بيننا وبين البلدان الأخرى والشعوب الأخرى ولكن بين فئات وحكومات ونخب وإذا لم ننفتح علميا وموضوعيا على أسئلة وتحديات العصر سيكون الأمر مجرد صراخ إيديولوجي وعملية ارتداء طاقية إغماء إلى حين قدوم السيل. أيضا كما أن هناك أكذوبة استشراقية هي الشرق هناك أيضا أكذوبة أخرى– يجب أن نضعها في اعتبارنا– هي الغرب. هناك نوع من التضخيم في الغرب للفكرة الموحدة للشرق الغرائبي المتخلف التقليدي, أيضا في شعوبنا وفي النخب فكرة أخرى خرافة أخرى وهي الغرب الموحد الحديث المتحد المتماسك. الهجمة الأخيرة على المنطقة والصراع مع الولايات المتحدة والدول الكبرى والشركات الكبرى وضعنا بسبب آليات الدفاع في مأزق تضخيم ذاتنا وجعلنا أيضا نعتقد وكأن الغرب كتله واحدة وهذه كارثة تاريخية.. وضع تاريخي متهافت. ومثقفينا أيضا وللأسف الشديد عبر القراءات الخاطئة يساهمون في هذه المسألة فبالرغم من أن هناك خطر الهيمنة الخارجية هناك خطر من النخب الأخرى المحلية المتأثرة بضيق سقف الفكر المنغلق القومي أو الإثني أو الديني.. هناك غياب الديمقراطية بالإضافة إلى الدعوات الظلامية والشوفينية الضيقة والفوضى الفكرية والزيف الإيديولوجي..وإذا لم نتجاوز هذا المأزق ونواجه السلب من الداخل والخارج ستغرق المنطقة في الوحل وفي مستنقع الحروب الاثنية.


لماذا يتلازم هذا كله مع انحسار المشروع القومي إذا ما اعتبرنا ما بعد الكولونيالية هي عودة إلى الدفاع عن الخصوصية والهوية.


أنا أعتقد أن المشروع القومي الرسمي قد هزم. ولكن لا أعتقد – وأنا اختلف مع الكثيرين – أن الفكر القومي اليساري الذي عرفناه ضد التدخل الخارجي بالنسبة لشعوبنا بل وكان ينشد تحقيق مشروع العدالة الاجتماعية ومشروع الحفاظ على الخصوصية والهوية المحلية المتفتحة على العالم كشريك فاعل يضيف أبعادا إيجابية إلى الحضارة الإنسانية.. أنا أعتقد أن هذا الفكر لم يهزم. هزمت مشاريع رسمية وهذا باعتراف الأنظمة الحاكمة نفسها.


ألا تعتقد أن لنكوص أو لفشل المشروع القومي علاقة بانتهاء الكولونيالية أو الاستعمار.. بمعنى أنه لم يعد هناك سؤال يثير المشروع القومي؟


المشروع القومي الرسمي هزم سواء في جانبه البعثي أو جانبه الناصري هذه حقيقة تاريخية. لماذا هزم هذا هو الجدل ولهذا تطرح الأسئلة لماذا وكيف وماذا نرى ونفعل الآن. الآن السؤال مفتوح.. أنا أتصور أن الخطأ أو الخطر الآن أن يتم البحث في النهوض والتحديث في الحاضر عبر محاولة إحياء الماضي التاريخي والإغراق في وهم الأمجاد القديمة فقط وليس النظر في الواقعي الموضوعي والمستجدات والتغيرات الحضارية بدلا من العمل على شحن القدرات ذاتيا وموضوعيا لإدراك ووعي الصراعات والتحديات والتناقضات الحالية لمواجهتها.. رغم انه عندما ننظر إلى الحركات الإسلامية موضوعيا نجد أنها رد فعل سياسي واجتماعي على القائم الحاضر أكثر منه رد ديني وأنا ارفض النظر إلى المسألة الدينية فقط.

هناك بين الإسلاميين محاولة إحياء لحماية الهوية ولكن هناك أيضا هروب إلى الأمام بتكفير الآخر وقطع ألسنة الآخر وقطع أيدي الآخر وتكفير الحكام والمواطنين الذين يختلفون معهم. وهذه هي الخطورة التي تكمن في دغدغة أحاسيس الإنسان العقائدي الذي يعتقد أنه في حالة انتصار بالعودة إلى الخلف فيؤدى ذلك إلى تعمية أنفسنا عن الأسئلة الأساسية التي تواجهها شعوب المنطقة في التنمية والتقدم. أنا أتعاطف مع الإسلاميين عندما يعبرون عن أنفسهم ولكن ليس هناك مشروع واضح بعد يراعي شروط الحداثة والديمقراطية والخشية أنهم عندما يتولون السلطة إذا طبقوا مسألة كافر ومؤمن معناها جل شعوبنا ستكفر وهذه مسألة خطيرة للغاية.


المشروع القومي كان مشروعا لقوى اجتماعية ناهضة. الآن هناك قوى أخرى تحاول أن تقدم مشروعا إسلامويا.. وربما الأنظمة الحاكمة ذاتها قد تنسلخ وتختار المشروع نفسه لتبرير مشروعية بقائها وخاصة أنها فشلت في حل أهم المسائل وهي مسألة الديمقراطية التي لم تستطيع الاقتراب منها أو ملامستها جديا.


أضيف.. الحركة القومية في الخمسينيات والستينيات هي نتاج طبيعي للكولونيالية لأنها كانت رد فعل على الاستعمار وبالتالي كانت حركة ثورية ذات مضامين اجتماعية ولكنها عندما تولت السلطة وبدأت في أنجاز مشروعها وأغفلت الديمقراطية هزمت من الخارج صحيح – ولكن أيضا هزمت من الداخل وبالتالي وصل المشروع القومي الرسمي البعثي والناصري إلى طريق مسدود, ولكن هذا قد لا يعنى نهاية كل مشروع ديمقراطي.. لكن الإشكالية– وهذه قناعتي وما يشغل تفكيري الآن.. هي أن مسألة الديمقراطية والتعددية وتأسيس الدولة التي تحمى الجميع هي الأكثر أهمية لي من 15 سنة مضت.. لدينا إشكالية في الفكر العربي تتمظهر في هذه الجدالات والحوارات التي تدور خلال عشرين سنة بين المثقفين العرب وتعنى بأسباب إغفال الجانب الإنساني والديمقراطي .

ومن جانب آخر ومن الممكن أن يكون هذا مفاجئة لكم أنا عندما بدأت في أطروحة الدكتوراة – لذلك قصة. في الماجستير كنت قد شرعت في إنجاز رسالة قصيرة عن تأثير الدين وعلاقات القرابة في السياسة في الخمسينات.. والخلاصة كانت الفشل في المهمة البحثية, لأنني طرحت السؤال غير الصحيح: لماذا يستمر دور الدين وعلاقات القرابة في التأثير على السياسة. وذلك لأنني لم أدرك في ذلك الوقت مدى جهلي بالمرحلة الاستعمارية بشكل عام, ولهذا طلب منى أستاذي أن ادرس المرحلة الاستعمارية.

أيضا لم تكن لدى إجابات جاهزة عن الأسئلة التي طرحتها . كانت ما يسمىـ منهجيا وعلمياـ عملية استكشاف ولهذا كنت دائما أبحث عن دليل, والدليل يتكون من ثلاثة أشياء: أولا الوثائق.. الأرشيف. منذ حوالي 15 أو 20عاما وأنا أتردد على الأرشيف المصري والإيطالي والإنجليزي والتونسي.. أيضا الأمريكي والليبي بالطبع. ثانيا هناك التاريخ الشفهي وأرشيف مركز الجهاد وثالثا أدرس كل الكتابات التي تتناول بلادنا والعالم الثالث.


الاتجاه المقارن ودراسة المجتمعات ذات الصلة الوثيقة بمجتمعنا الليبي مصر وتونس وأفريقيا وغيرها من البلدان المجاورة.. وقد يمتد الأمر إلى ايطاليا وتركيا. هل هذا الاهتمام ناشئ عن بحث في الهوية والخصوصية باعتبار أن دراسة التشابه والاختلاف تعمق وعينا بذاتنا بخصوصيتنا وتمكننا من الإجابة على من نحن وكيف نكون لكي نتغير باتجاه أفضل.. أوهي محاولة لتخطى سلبيات شوفينة وتقوقع. وسبب السؤال هو الخشية من تذرع البعض بأن هناك قوانين خاصة بكل مجتمع أو جماعة محددة مثلا يقول البعض أن العرب يختلفون عن الهنود أو الفرس وقد تصبح ليبيا تختلف عن الجميع بل العكس طرابلس أو بنغازي تختلف عن هذا كله.. ألا يعني ذلك تبريرا للعجز في فهم واقعنا كما يجب أو نوع من التعمية لنا بحيث لا نرى غيرنا وبالتالي نقبل بالواقع الراهن ولا نستهدف التغيير.


الإجابة عن هذا ليست متناقضة. هناك شيئان: جانب منهجي وهو أنه رغم أنني بحكم جيلي تربيت على الفكر القومي المعادى للاستعمار إلا أنني اكتشفت مأزق وشوفينية هذا التفكير ومحدوديته عندما يتجاوز الأمر الدفاع من أجل الاستقلال. من زاوية النظر هذه أحاول دحض هذه الأفكار.. أرى أن مسألة الاستثنائية والخصوصية المغرقة خطيرة جدا لأنني أريد أن اجعل الناس تعي أنها جزء ـ ويتوجب أن يكون فاعلا ايجابياـ من عالم أرحب من منطقتنا في المغرب وأفريقيا والعالم العربي والإسلامي مع أنني أؤكد على أهمية التراث الإسلامي المستنير لأنه الأكثر استنارة في هذا الجانب من الفكر القومي المحدود حيث الأفق فضاء أرحب وليس منغلقا وشوفينيا.

الجانب الثاني في الحقيقة جانب شخصي إنساني و(على الجرح) أنا لا أنكر هذا.. أنا نشأت في هذا المجتمع وتكويني الأول فيه وبالتالي تركيزي على هذه المسألة محاولة أن أجد الجوانب الإنسانية الجوانب المضيئة لهذه البيئة التي خرجت منها وقد تراها غالبا في الجوانب المسكوت عنها.. وربما أنني لا أريد أن افقد الجانب الثقافي في شخصيتي الجانب الاجتماعي الليبي والعربي والديني الإسلامي. ولذا ترونني دائما أركز على هذه الجذور وعلى هذه المقارنات التي اكتشفت عبرها شيء عجيب وهو أن هذا المجتمع الليبي الصغير كم هو معقد ودنيامي ومتعدد وحيوي وهذا الحقيقة لم أتعلمها لا في ليبيا حيث نشأت وترعرعت ولا في مصر عندما كنت طالبا.. وكأنك تنظر عبر مجهر.. فترى الدنيا من جديد وتكتشف أشياء من حولك لم ترها من قبل.

ولكنني وفى أي دولة عربية كانت أو غربية أطرح لطلبتي ذات الأسئلة ولا أؤمن بالفارق بين جمهور هنا وجمهور هناك.. تشعر دائما بأن هناك ما يجمعنا و يشملنا جميعا أسئلة وقضايا وهموم بما فيها سؤال الحداثة الذي يقودنا إلى أسئلة أخرى وأنا لدى في الحداثة أطروحات مختلفة عن المثقفين العرب كثيرا .


تعليقا على ما له صلة بالإمبراطورية الأمريكية التي بلغت الآن أوج قوتها وما أنتجت من مؤسسات العولمة مثل منظمة التجارة العالمية وغيرها لمزيد من التوسع والهيمنة ..يصبح السؤال معنيا بحماية الذات وحماية الهوية والدفاع عن حق المشاركة الفاعلة.. نقرأ ذلك في الخطاب العربي المتخوف وهو كما نراه خوفا شرعيا من المشروع الأمريكي للنظام العالمي الجديد.


هذا خوف مشروع وخاصة في البلدان التي انكوت مثل منطقتنا العربيةـ وفي كل المناطق الأخرىـ من أوروبا وأمريكا بسبب النفط والمواد الأولية والمواقع الإستراتيجية. كنا دائما هدفا للدول الكبرى. ليس كرها أو حبا فينا بالطبع بل مسألة مصالح لهذه الإمبراطوريات التي تبحث عنها مستخدمة أقصى وسائل العنف وقد أدى هذا إلى أننا نملك حساسية تاريخية معروفة ضد التدخل الأجنبي وبالذات نحن بوصفنا ليبيين نذكر ذلك جيدا– وللأسف فإن الذاكرة العربية في العموم ضعيفة. نحن ليبيون وجزائريون وفلسطينيون لدينا خصوصية في العلاقة مع الاستعمار بالإضافة إلى جنوب أفريقيا والكونغو.. واجهنا تجربة دموية مع الاستعمار الاستيطاني واكتوينا بالنار. ولهذا فعملية الاستعمار في بلدان عربية أخرى مختلفة من الناحية النوعية.


تقصد تجربة الاستعمار عبر الانتداب و أنظمة الحماية..


نعم ولكن أيضا أتصور أن مواجهة الهيمنة توظف أحيانا لإسكات الداخل ولتبرير الاستبداد الداخلي وبالذات من الأنظمة الحاكمة العربية. ولهذا فالتحدي هو أن تكون واعيا بالهيمنة وبوسائل مقاومتها الفعالة وبالإصرار على توسيع مساحة الحرية في الداخل لأنه إذا ضرب الإنسان وامتهنت حريته وضرب القانون وضربت التعددية وحق الاختلاف وتنوع المشاركة في الداخل فكيف نواجه الاستعمار.. أي ستكون محدودا ومكمما. وهذا هو التحدي القادم كيف نواجه الهيمنة دون التعددية في المجتمع ودون حقوق الحريات العامة. الفشل الذريع في العالم العربي هو الإخفاق في حماية الإنسان ( البني آدم ) التي يسمونها الأمريكان self- liberty وانظر إلى هذه المفارقة: أمريكا الإمبراطورية في الخارج هي ديمقراطية من الداخل كيف نفهم هذا الدينامية وهذا التناقض الرهيب هناك دولة تتصرف كإمبراطورية إمبريالية ولكن هناك مجتمع ديمقراطي رأسمالي ناجح وحضاري بشكل غير عادى ولهذا ..المهم ألا نختزل التجربة الأمريكية إلى الإمبراطورية فقط أو الأحلام الليبرالية فقط هي مزيج من الاثنين وهنا ضرورة التسلح بالفكر العلمي والوعي الموضوعي التاريخي الذي يستطيع أن يستشف هذه التعددية وهذا التناقض وهذه التركيبة الصعبة للمجتمع الأمريكي.


بالنسبة للمفكرين الغربيين.. هل مازالت تطغى الرؤية الاستشراقية لديهم والتي أكد ادوار سعيد وغيره على انحيازها السياسي والثقافي، أم أن هناك رؤى أكثر رحابة تتحسس الإمكانيات التي تحتويها مجتمعاتنا وثقافاتنا كمساهمة ايجابية في الثقافة العالمية.


نحن الآن نعاصر هجمة اليمين الأمريكي. والنقد التاريخي والأكاديمي للاستشراق بدأ يتراجع ويعود الاستشراق بعنف في المجتمع الأمريكي وفي الكتابات الأمريكية.. ليس التمركز في البيت الأبيض فقط بل في الجامعات والإعلام. صار اليمين الأمريكي أكثر شراسة وأكثر قوة وعنفا وللأسف الشديد بن لادن وجماعته و11 سبتمبر في هذا الإطار أدوا إلى كارثة بالنسبة لنا نحن الذين نعيش في أمريكا كأكاديميين وكمثقفين لان ما قمنا به في عشرين عاما ضرب. المعارك ضد الاستشراق وضد تهميش العالم الثالث وضد الهيمنة ومحاولة احترام الآخر ومحاولة احترام الثقافة العربية والإسلامية ومطالب العرب الشرعية وتقدير القضية الفلسطينية ومسألة تعزيز الحريات والديمقراطية في العالم العربي.. كل هذا ضرب. والآن بدأ الحديث عن الإسلام العنيف والشرق العنيف والثقافة الإسلامية الشرسة والمعادية للديمقراطية.. وهذا وللأسف تاريخ معقد وصعب محكوم بالصراع العنيف وهذا هو الواقع الآن. أعطيكم مثلا قدمت محاضرة في الفترة الأخيرة عن الإسلام. بعض زملائي من أعضاء هيئة التدريس والذين كانوا في فترة سابقة يرون النقد الموجه إلى النظرة الاستشراقية شيئا طبيعيا ذكروا لي في نقاشهم بأن هناك شيئا عجيبا شيئا خصوصا في البعد الإسلامي هناك عنف في العلاقة مع الآخر.. الآن نعانى فترة صعبة ليس على مستوى الطائرات والغزو ولكن أيضا على مستوى الفكر الذي تمثله الأجنحة اليمنية في الأكاديميا وفى الميديا وفى السلطة. وبالمقابل ورغم تلك الهجمة يظل من المهم أن نستوعب أن هناك أجنحة أخرى ناقدة للمجتمع الأمريكي..بعضهم زملاء لي في الجامعات سواء في أمريكا أو في أوروبا وحتى استراليا. وأنا أستاذ ليبي ومن أصول عربية مسلمة ادرس بكل حرية وأنتقد بكل حرية.. الإذاعة الاسترالية أجرت معي حوارا طويلا حول دراستي للمرحلة الاستعمارية في ليبيا.. أنا أتكلم في الكنائس وفي الجامعات والمنتديات وكتبي تقرر في أحسن الجامعات الأمريكية وتستوعب بشكل جيد. نعم هناك تيارات معادية ومغايرة ونقدية للواقع القائم في أمريكا.. ولكن نحن الآن في عصر عودة الاستشراق والفكر الاستشراقي الذي ساهمنا في نقده وإجهاضه وخلخلته عشرين سنة.. وللأسف هذا يحصل في أماكن عديدة. هكذا أحبانا الأشياء تأتى خطوة إلى الأمام وعشرة إلى الخلف أو بالعكس. هكذا هو التاريخ ليس خطا واحدا إنه حافل بالتعقيد مثلما الحياة معقدة.


قد يلتبس على القارئ علاقتك كمؤرخ بالثقافي في مسائل قد تبدو .. بعيدة من حيث التشابك والترابط, مثل دراستك عن الكاتب القاص والروائي أحمد إبراهيم الفقيه وكذلك مثل اهتمامك بالمهمشين والإنتاج الثقافي الشعبي إلخ.. هذا الاهتمام بالثقافة والفنون باعتبارها عناصر مهمة جدا في التاريخ الاجتماعي..يجعلنا نسأل كيف تقرأ النص الأدبي. هل ثمة إمكانية أن يدرس أو يفسر أو يقيم موضوعيا كما تقرأ وقائع وأحداث.. يقال إن الأدب ليس انعكاسا للواقع بل هو إبداع للواقع.. هناك جوانب الشخصية وأوهام.. أحلام ورغبات وعواطف.. تخييل ومخاوف والانفعال بالحياة.. هل نفسر هذا الاهتمام للبعد الشخصي حيث نعلم بأنك بدأت شاعرا ومثقفا أديبا أم أنه اكتشاف منهجي لهذا الحقل ولما يضيفه من مدى أرحب إلى السؤال التاريخي.


هذا سؤال يحتاج إلى وقت طويل للحديث فيه..ولكني سأحاول الاختصار. أنا اعترف بحكم بدايتي في شبابي وفي الجامعة وما بعد الجامعة.. كان لاهتماماتي الثقافية والأدبية تأثير كبير على ولا تزال. أيضا تركيبتي الغريبة جدا التي لم تفقدني هذا الجانب برغم أنني لم أتب نصا إبداعيا منذ فترة طويلة من الصمت ..ولكن قراءاتي واهتماماتي الأدبية ظلت مستمرة من البداية وحتى الآن .

أيضا ليست الأعمال الشعرية أو القصصية الروائية فقط ما يثيرني ولكن هناك جانب أخر قد لا تعرفونه عنى هو اهتمامي الشديد بالسينما. كنت ومنذ ذهابي إلى القاهرة ارتاد نوادي السينما وتثقفت وتعلمت عن السينما المصرية ثم السينما العالمية المعاصرة الكثير بل ودرست فصلين دراسيين لدرجة أن البعض من زملائي يعتبرونني من ذوي الدراية بالسينما. وهناك جوانب ثقافية في تكويني بحكم بداياتي الثقافية الأدبية والفكرية في ليبيا حملتها دائما معي وهذا جانب يدفعني للكتابة عن شخصيات أدبية وثقافية وأيضا شعرية في دراساتي.

هناك خيوط متينة للتواصل مع الثقافة والمثقفين في بلدي الأصلي.. ولكنني اليوم أرتكز على قناعة أخرى. أعتقد أن هناك شيئين غائبين عن الكتابات الأكاديمية وأحيانا حتى الفكرية.. وهي القطيعة بين الحقول المعرفية. أنا لا أؤمن بهذه القطيعة.. أنا أؤمن بأننا سواء كمجتمعات كلية وكبشر مفردين تركيبة كلية.. هناك الجانب الفني والجانب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي وغيره. نحن كل متكامل ولهذا من ناحية معرفيه اعتقد أننا نكمل بعضنا ولسنا منفصلين كما نعتقد أحيانا. هذا افتراض معرفي وقناعة معرفية بجانب العامل الشخصي.


هكذا هو الإنسان وكما يقال يتحرك دفعة واحدة.


العامل الثالث كل فصولي التي أدرسها بالجامعة لابد أن أحرص على تعليم رواية أو مجموعة قصصية أو أفلام وطلابي يطبقونها على مستوى الواقع وليس على مستوى الكتابات فقط. محاولتي الكتابة عن احمد إبراهيم الفقيه.. كنت قد شعرت بنوع من الاكتئاب من الكتابة التاريخية والفلسفية وأردت إشباع شيئا من الحنين في قلبي – شيئا يثير في البهجة ويملؤني إنفعالا حيويا بالحياة فقرأت العمل وقررت أن اكتب عنه ليس كنقد أدبي ولا أدعي هذا ولكن هو محاولة لطرح نقد وقراءة مغايرة لم نعتد عليها في الكتابات النقدية والتحليل الاجتماعي والتاريخي للأدب..ليس نقدا أدبيا وإنما محاولة وتجريب للمعرفة في المنهج المقارن والرؤى والهموم النظرية فربطت مدى إسهام هذا العمل الخاص بالعام من حيث البحث في ما مدى علاقة السياق الأشمل الكولونيالي بالمجتمع الليبي وأيضا ما هي الإضافة الليبية للكتابات الأخرى كالطيب صالح وغيره في موضوعة الاتصال والتشابك بين المجتمعات والحضارات عبر علاقات الصراع والتعاون والتأثيرات الفاعلة بينها..ما هي الإضافة والإسهام الليبي وأيضا الإسهام الشخصي.. إسهام احمد إبراهيم الفقيه والمثقفين الليبيين لمجتمعاتهم وللإشكاليات الحضارية في العالم الثالث.


وأيضا لأبعادك الخاصة باعتبارك مثقفا ليبيا يعيش في الغرب


نعم نعم. وهو الهدف الرابع: إشكالية هذه الشخصية.. إشكاليتي أنا المغترب الذي أحمل هذا المجتمع فوق أكتافي لمدة عشرين سنة. إشكالية شخصية و أعترف لا علاقة لها بالموضوعية ولا يحزنون ولا شيء من هذا ..هي في الحقيقة محاولة لمد جسوري وقراءة الآخر الذي ربما قد يكون(الأقرب) لي في غربتي .


طبعا وموضوعيا.. دراسة الثقافةـ الأدب والفن ـ باعتبارها صيغة أخرى للحياة تضيف إلى أدواتنا المنهجية وإلى معارفنا الكثير..تضيف إلى وعينا أبعادا نفسية واجتماعية لا يمكن استيعابها وفهمها إلا بالقراءة الواعية للأعمال الإبداعية وليس من المبالغة أن هذه الإضافة والتي قد لا نجدها متوفرة عند الكثيرين هي إضافة مهمة جدا للكتابة التاريخية والنفسية الاجتماعية


شكرا. وحتى فى المجتمعات الغربية.. الكثير من زملائي اثنوا على هذه الدراسة وطلبوا تطوير الجديد والجميل فيها وظللت لفترة أعيد مراجعتها وتنقيحها وهى من أربع مستويات أولا المسألة الشخصية الثقافية التي أحملها معي كوني مثقفا وثانيا المسألة المنهجية التي تحترم تداخل مستويات التحليل وكذلك النظر في مسألة الهوية الوطنية عبر طرح الأسئلة المتشابكة لمثقف من أصل ليبي يعيش في الغربة وأيضا هناك محاولة للإجابة عن أسئلة من أنا وكيف أكون وما هي إشكالياتي وصراعاتي واجتهادي وما هي هويتي.. وأنا لا أريد أن أتصرف بشكل مرضى أو عقابي فأفقد هويتي رغم أن أرض الله واسعة. قال لي الأستاذ علي مصطفى المصراتي كلمة أبهجتني وذلك عندما قابلته مرة بعد انقطاع وسألته هل تذكرتني يا أستاذ فأجابني نعم أنت الأستاذ الليبي البارز الذي يحمل ليبيا في قلبه . ولكم أن تعلموا كم فرحت بذلك التوصيف. والحقيقة وبرغم كل هذا التوازن إلا أنه ليس بوسعي الإفلات من فترات أمر فيها بشكل إنساني أعاني الشوق بصراعات الغربة والاكتئاب ولكن ليس بشكل عصابي بل على نحو واضح وهادئ كما يقول أستاذنا الكبير الذي فقدناه ادوارد سعيد خارج المكان .. أنا عندما خرجت إلى أمريكا لم أستطع أن أنجز ما أنجزته الآن وربما لأنني ذهبت إلى القاهرة وتخلصت من السلطة الأبوية في ودان وفى سبها واستطعت أن أتصعلك قليلا وألامس الأشياء على نحو آخر ثم.. إلى الولايات المتحدة حيث بدأت من الصفر باللغة الإنجليزية واللغة الإيطالية والتعليم الحديث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق