موال الحكايات الجارحة
قراءة في كتاب(موسم الحكايات)
للكاتب الليبي خليفة الفاخري
" غنً ، فالوحشة مرة "
تتمكن كتابات الفاخري ، رغم مضي السنوات ، عند قراءتها مرة أخرى ، أن تثير فينا الأسئلة ،أسئلة الحاضر وتدفعنا إلى الحوار معها :
ما هي القضايا التي طرحتها .. وهي تحاور وتستنطق واقعا يعيش لحظة تحول اجتماعي حاد ؟ وكيف ؟
و بأي أسلوب ورؤية صيغت هذه القضايا ؟
وماذا تستهدف هذه الكتابات حين يرتبط مستواها المعرفي بفاعليتها الاجتماعية ؟
بالطبع، ليس ثمة قراءةُُ واحدة... و يمكن لكل قارئ طرح أسئلته ،أسئلة أخرى وبطرق أخرى مغايرة ....
وهذه القراءة محاولة متواضعة للمساهمة في تقديم إضاءة عن مجهود إبداعي لصياغة الواقع الذات والموضوع ، تقرأ النص وتطرح الأسئلة في إطار عام للحركة الثقافية الإبداعية داخل مرحلة تاريخية لها أبعادها وملامحها الأدبية الخاصة .
وقد تكون مسألة قراءة الكتابات الإبداعية الليبية ، في النصف الثاني من القرن العشرين ، للبحث في أسئلتها - مشروعها الثقافي الحضاري ، ما تزال تحتاج إلي جهد كبير وخاصة لكونها قد ولدت وسط تحولات اقتصادية وسياسية حادة استوجبت من المثقفين والكتاب مواجهة أسئلة الفعل والتغيير .. فهم الذين يمثلون في المجتمع الليبي إحدى فئات الطليعة الاجتماعية المتعلمة والتي راهن المجتمع بعد خروج المستعمر الإيطالي على دورها في إشاعة المعرفة وإنارة الطريق .
( وما أبعد الطريق !)
هذا نص كامل لإحدى حكايات الفاخري وكأنه يمثل إجابة _ رؤية لمرحلة زمنية تشير إلي تتابع الخطوات وتستخلص الحكمة والعبرة من قراءة لتجربة تتواصل .. وتطرح عبر نقلاتها النوعية أسئلة جديدة .
وقد طرحت الكتابات الليبية إبداعاتها منذ البدء، معلنة عن طموح جذري، عبر أسئلة أساسية تتعلق بالهوية والكيان وباختيار الأدوات الفاعلة – أسئلة التكوين والتحول والتطور: من نحن وعلى أي ساحة نعيش. نكون أو لا نكون . كيف نكون ؟
لقد كانت مسؤولية تاريخية ، وسواء انشغل المثقفون بتقديم إجابات أو الاكتفاء بصياغة الأسئلة ،فقد ظلت ملمحا أساسيا في مجمل حركة المثقفين الليبيين : نصا وفعلا .
وبالتالي، فإن مهمتنا، عبر هذه القراءة، هي رصد هذه الكتابات كمؤشر ثقافي لمرحلة تاريخية متعددة الأبعاد، أو البحث عن علاقة النصوص بعالمها .. ستكون محاولة ليست باليسيرة.
فهل أشارت كتابات الفاخري إلي ذات الأسئلة الأساسية ، حين ظلت تعاني تناقضها الثنائي: بين مأزق الوعي بالعيش في مستنقع التخلف والجهالة بدون أدوات تغيير فاعلة ، وبين الحلم (بلا انتماء ) بعالم أخر.. فردوس متلون بالمطر والقطارات وحدائق الحرية .. فحاصرتها داخل زمنها الوحشة – وحشة المكان ، وصارت بالتالي كل الأماكن سجنا وكل الأماكن سفناً وصارت الذات نورساً يرحل أو يحلق استعداداً للرحيل ، وغمرت اللحظة الراهنة كل الزمن الموحش ، فكانت دافعًا لان تكتشف الذات (بقلبها ) أو بشفافية الإبداع أنها تفتقد الوطن فتعود تحلم من جديد وفي كل مرة بساحة أخرى للحرية .
وهل كانت تعبيراً بسبب مأزقها ( وهي تعاني عجز التغيير ) عن محاولة البحث عن ملجأ للهروب من هذا الشر المطلق – التخلف الداخلي وعدم الانتماء الخارجي؟ فدفعت بالتالي إلى التخلي عن حلمها الاجتماعي التاريخي ( والذي لا يجئ ) بالبحث عن وجود خالص تعتقد أنه الحقيقي حين أشارت إلي نماذج همينغواى : سانتياغو العظيم وهاري الذي يموت وحيداً عند سفح كلمنجارو .
ومنذ البداية ، مغترباً ووحيدا في ليل طويل ، يجر الكاتب صليبه مدفوعاً بهواجس الرحيل – الرحيل الأبدي ، على إيقاع متواصل، يحث الخطى مبحراً خلف إلتماعات تومض كفنارات المواني وتشير إلي حلم – فردوس قريب بعيد :( حاملا في قلبك آلاف الكلمات النابضة في صدرك على نحو غير مريح ، متمنيا لو كان ثمة من تحكي له ، عندئذ تعتريك رعشة تغربل جسدك كله ، وتشعر بالوحدة ، عندئذ فقط يبدأ موسم الحكايات .. أجل ، موسم الحكايات ).
هكذا تنشد الحكايات – كتابة أو شفاهة الطموح إلى التواصل مع الآخرين بتقديم تجربتها كأمثولة .أنه تعبير عن روح الفن الأصيل في محاولة بناء جسر علاقة بين الذات والآخر جاهدة في بناء ذاتها بشحذ أدواتها الفنية وأساليبها الأدبية عبر المكابدة الأليمة لخلق الكلمة التي تخلق الأثر الفاعل في نفسك وتشد انتباهك ( أينما كنت وكيفما كنت ) (ولذا) تناديك .. تناشدك ( فلتحاول أن تسمع جيداً ) ، ( فلربما كان هناك ما يستحق الإنصات ) .
ومن البداية، وما أن تفتح غطاء القمقم ، حتى يصيبك الانفجار المذهل المتوالي من جراء هذا التعبير اللغوي الإنشائي العاطفي المكثف والمعجون بالألم ، والناضج في عالم الكتابة النثرية السردية في حكايات ( يحتشد ويتداخل فيها الخطاب الشعري والقصة والرسالة والخاطرة والمقالة الفنية ) ، سعيا لتحقيق الأثر الإدراكي والانفعالي بمستوى بلاغي يحسن ضبطه بإشراكنا في الإنصات إليه .
وهكذا تكتشف أن هذه الحكايات التي تتوزع عبر قطع ( اللوحة الكلية ) تمثل حالة شعرية قادرة على تكثيف الانفعال وشحن القارئ ، بامتلاكها الزمن الخاص الذي تصنعه هي وحدها عبر تسلسل الخطاب السردي أو تطوره في انسجام وتماسك ، (وحيث كل الأشياء تصبح ذات مدلول عاطفي دافئ … كل الأشياء … فما بالك بالإنسان !) وبالتالي فما عليك إلا أن تفتح قلبك وتقرأها بحب .
يحدد الكاتب اختياره لشكله الفني في صيغة السرد بالحكاية .
هكذا ، متدخلاً وحاضراً في كل التفاصيل بشكل مباشر ، وان أفسح مجالاً – هنا وهناك–لأصوات أخرى مشاركة في بعض الأحيان . إنه الراوي - أو السامر (أو الضمير الكلي) لمجمل الحكايات حتى وأن تعددت الضمائر ( مع سيادة ضمير المخاطب ) الذي يمثل المستمع أو القارئ .. يبنى الأحداث في ترابط وتسلسل ناسجاً خيوط علاقتها بالناس وعوالمهم، والتي تقود إلى مفهوم محدد ، وتكاد الحكايات ، بسبب قصديتها أو غايتها في البحث عن المعنى ، وحرصها على إيصال رسالتها ، أن تقترب من لغة الخطابة الممتلئة بالحكمة أو بمواعظ الصعاليك.
وإذا أعدنا السؤال ( الذي طرح سابقاً ) :
لماذا لجأت كتابات (الفاخري) إلى اختيار السرد كشكل فني للتعبير ، والقصة الليبية كانت قد بدأت خطوة متميزة بقدرتها على تجسيد اللحظة أو الحالة ( في لحظات متواصلة ) بكثير من التركيز الانفعالي الباعث على التأثير بموضوعها ، عن طريق احتفاظها بتوتر الحدث في حركة قادرة على شد انتباه القارئ ؟
هنا قد نلمح تصوراً إلى وضع ثقافي بأسبابه الاجتماعية والتاريخية تم تقديره من طرف الكاتب يخص موضوعة يهتم بها كل حكاء عظيم وهي موضوعة المتلقي (والتي هي هنا فرد واحد قارئ أو جماهير غفيرة أمية – أينما وكيفما كانت – تجسدت في الشخصيات الموظفة من قبله في الفعل أو الكلام والتي غمرت قصص الحكايات و مهما تبدلت أو تغيرت فهي التي ترحل و تهاجر و تغترب ثم تعود .. ثم تغترب في الداخل والخارج ولكنها تظل وحيدة في صحارى ذواتها يغمرها الشوق إلى حضن الآخرين .. متمنية أن تجد من تحكي له عن أوجاعها التي لا تنتهي وهي تحلم بساحة أوسع للحرية وبعالم أكثر بهجة وتبحث في ذاتها عن القدرة على الفعل الإيجابي أو تصرخ احتجاجاً على هزيمتها أمام قسوة الواقع . هذا التقدير جعل الكتابة تتكئ بالتالي على نموذج فني قريب إلى ذائقتها أو حالتها : الحكاية (أو الحديث الشفاهي بعناصره الكلام والاستماع والذي يحقق المؤانسة).
بالإضافة إلي أن الاستناد إلي الحكاية هو استناد إلي الماضي … إلي انتهاء أو اكتمال أو ثبات وذلك عكس ما يحمله الحاضر الواقع في القصة والقابل للاحتمالات .وبالتالي يكاد المغزى والمعنى في الحكاية أن يشير إلي قيمة مطلقة مما يجعلها تحمل بنية الأسطورة أو الأمثولة الدائمة ويؤكد سلطتها وقابليتها للتصديق … ويحقق القبول والإقناع لدى الآخر .
كان النفط عنصر اكتمال فعل التدمير لبنية المجتمع المحلي القديم مجتمع الكفاف والقبيلة وعلاقات الدم الحميمة بعد سنوات الحروب الداخلية والعالمية ، وكان على البدو الرحل ( ولكن منفردين ) أن يواصلوا رحلتهم – عبر صحارى العطش والغربة – باتجاه مواقع جديدة للكلأ أو الروح :
رحيل .. هجرة باتجاه المدن .
رحيل .. هجرة باتجاه معسكرات النفط .
رحيل .. هجرة باتجاه الشمال ( مركز الحضارة )للدراسة والاستمتاع بالمباهج مباهج عوالم أخرى ثرية بالضوء والظلال .
رحيل لا يتوقف باتجاه الداخل والخارج ..
وتواصلت الهجرة، ولا مستقر:
غياب مؤسسات المجتمع المدني، وتدمير محاولات بنائها ..
انهيار نموذج حلم التغيير العربي في نكسة قاصمة ..
إرث متأصل – قدر من الرمال المترامية والشمس الملتهبة .. والعطش.
والإشكالية أن الكاتب (لا يملك غير الكلمات .. الكلمات الشذية البيضاء مثل عقود الفل تماماً )…
و( الأمر القاهر حقاً هو أن تستطيع الكتابة ) في واقع متخلف ، وتحاول أن تزرع وردة تقهر الجوع ولكن ( الأمر في الواقع أسوا من ذلك .. أنك تشعر كأن كل ما حلمت به قد كتبته فوق الماء ..) و( تظل تعيش موتك لحظة بلحظة، وتنهار كل أحلامك القديمة بأيدي الآخرين دون أن تستطيع أن تفعل أيما شيء .. ) و( تظل الأقدام الفضولية تسحق تحت أحذيتها المتسخة عقود وأساور الفل المتناثرة هناك !!) .
وأمام قسوة الواقع، وكما في الخرافات – الواقع خرافة هو الأخر في الحكايات التي تكاد تشير إلي أن اللحظة الراهنة أو هذا الخطأ القديم، زمن ثابت وحالة ساكنة لا تتغير، وأن حلم النجاة مستحيل ومهما حاولت .. (ستفد ريح معادية من ناحية الشرق .. أجل من ناحية الشرق تمزق الأشرعة وتثير الأمواج على نحو حاقد إلي أن تلطم قاربك تجاه جبل المغناطيس الذي سيحيله إلى مجرد ألواح تطفو خلال تدافع الأمواج الهمجية ).
ولذلك فإن ( المرء يشعر بأنه مجرد نورس وحيد يذرع أبعاد الصحراء المحرقة بإعياء قاتل ).
وتكون الذات وتراً مشدوداً تعاني موقفا مضطرباً ، موقفا رومانسياً مضطرباً يعبر عن التناقضات بدون إدراك لقوانين حل إشكالياتها ، قوانين التطور الاجتماعي : تأمل في الحصول على نصيب من بذخ الفردوس الغربي ومع ذلك لا تكسب أصالة حق الانتماء إليه .
تبحث في الواقع عن مساحة حرية وقوة اجتماعية فاعلة ولكنها تجد التفاهة وانعدام الفعل الإيجابي ( وتقول بقية الحكاية ! قد يكون المنفي وطنا في كثير من الأحيان، وقد يكون العكس!) . ولأنها تفتقد بحكم شرط تكوينها الاجتماعي الفكري رؤية متسلحة بمنهج يقرأ التناقضات في وحدة واحدة تقع أسيرة التضاد في إطار التقابل وفي فخ المقارنة الدائم : الحالة ونقيضها ، الواقع والحلم ، الوطن المتخلف والشمال المتقدم ، فتدخل في المتاهة ولا تجد خيوط النور .
وتحاول ..(كنت تود أن تكون بروميثوس)…
وكنت صادقاً و( لا تخدع أحداً ..) …
(ونزفت كثيراً من العرق ) …
ولكنهم كانوا يعيشون الجهالة ( وعندما مرقت نظراتهم عبر كلماتك، قالوا انك مجرد سكير، ملحد، وعميل، وأنك لا تكتب سوى من أجل حفنة قروش قذرة ..) ولأنه ( ليس ثمة ما املكه غير حزمة عناوين شيقة .. وألف بطاقة بريد .. وأمل مجنح في أن أغزل جناحين ذات يوم فوق ظهري، وأكون قادرا – أنا أيضاً على الانطلاق خلف وجوه أصدقائي فهل لديك تذكرة ؟! ) .
إن الذات تنظر إلي هويتها الحضارية – واقعها التاريخي- زمن الحاضر بتشاؤم الفكر وعجز الإرادة ، وتعيش بؤساً أبدياً .. خيبة أمل عميقة ، وحين تتطلع إلي الأفق لا تجد إلا مثالا جاهزا لم تشارك في صنعه ،( فتفكر – جذلى – في موسم الحصاد ). ويتعين (عليك الآن أن تحرق كل الجسور خلفك .. أتسمع ؟ كل الجسور ، وتبدأ من جديد .. فليس ثمة ما هو أجدى من ذلك .. أتسمع ؟ ولكن لاح أنه سكران تماماً )…
وهكذا كان الفكر في حالة أشبه بالهذيان الذي لا يتوقف ! يبحر مذهولاً ، يعيش اللحظة الراهنة كحالة دائمة لا يقرؤها في سياق الزمن التاريخي المتواصل من الماضي إلي المستقبل يناظر الواقع بالحلم ، يقابل أل هنا بأل هناك .. ولا يكتمل الجدل .
ليس ثمة سوى الحاضر ، والحاضر يغرق في الضجيج ويعيش فوضاه .
و لك أن تقرأ أو تسمع ما تشاء : حكايات صور انطباعية طبيعية بلغة انفعالية إيحائية رومانسية ساخطة عن أناس ذوى وجوه حالكة كاحله حين تهب ريح القبلي ، يغمرهم الاستياء حين سقوط المطر لأنهم لا يفكرون إلا في الغدران التي تملأ الطرقات يعيشون في متاهة أزقة وشوارع مدينة ضيقة الصدر تشبه مهرجاً عاطلاً عن الإضحاك والمسرة. وللراوي ، بسلطته المطلقة ، أن يواصل سرد الحكايات أو الخرافات حتى يدركه الصباح عن مدينة مسخت حجارة ، تجلد ، كالغولة ، أبنائها بسوط حاقد، مضيفاً المعنى على المألوف اليومي والهامشي اللامحدود في تفاصيل صغيرة ، وبصدق بالغ ، وحماسة أصيلة ، وبروح التعاطف والاحتجاج الصارخ .
( ويكتب الراوي يموت ) يتمزق ألما ( فالكتابة عذاب والاسترسال فيها أليم ) و(نبضه الأرعن لا يعرف الانطفاء .. وحين تجرح البجع يشتد غناؤها ).. (فيتفجر) كأنه ينتحر فيلمع كالشهاب يبزغ نجماً من (نجوم الكتابة) في ليبيا ،التي قد تشكل إبداعاتهم بصور متنوعة لإيقاع رئيسي واحد ، توجها رؤوياً مشتركاً .. المستويات متعددة وبأدوات ومناهج ممتزجة بفوضى الإبداع الفكري الأدبي كفوضى البنية الكلية للكيان – الوطن المتصير على وتيرة التحول الاجتماعي الحاد . ينظر إلي الواقع الحاضر في غضب أو في سخرية .. احتجاجاً على حياة يومية لمجتمع يتغير بنظام السوق وقيم البحث عن الثروة يعاني الإعياء والتعب وينشد الموت حبا (على طريقة الفراشات والأنهار والحلاج) .
كانت صحيفة (الحقيقة) قد ظهرت .. فالقوى الصاعدة رأسمالياً ، بتموضعها التاريخي الاجتماعي ، وكقوة اجتماعية تحتاج إلي الثقافة والإعلام كوسيلة استثمار مربحة خلقت منبرها المتميز والمعبر عن القيم والعلاقات الجديدة المغايرة .كانت هذه القوى تطرح فكرا ليبراليا ينشد مباهج الحياة الغربية وتحاول استيعاب ثورة الغرب في التحرر فكرياً ودينياً واجتماعياً بعيداً عن صراعاتها التاريخية وتشكيلاتها السياسية ،كان مأزقها – تناقضها يتجلى في طبيعة نشأتها وتكوينها الاجتماعي التاريخي و المتصالح مع نظام ينهار وفي وعيها المأساوي الذي يكتشف عجز النظام الذي تنتمي إليه في التغيير الكامل لصالحها وعدم قدرتها الذاتية أيضاً .
وانطلقت أقلام جديدة تحمل فكرياً رؤى تؤكد التغيير والتحديث لكنها لا تستبصر الجديد الناشئ إلا في نماذج مثالية خرافية ، ترفض البنى والقيم القديمة العاجزة عن تجديد نفسها والاتساق مع المتغير الاقتصادي الاجتماعي ولكنها تعجز هي الأخرى عن تقديم أية إجابات مقنعة لمثاليتها و انتقائيتها ولغياب السياسي في رؤيتها وفي بنيتها وفقدانها سلاح الجدل وتحول الحلم إلي كابوس عبر تجارب الأشقاء وموت بائع الفل .
و تمظهرت الرؤى عبر وسائل تعبير جديدة لخطاب مفتوح ، يخوض غمار صراع في داخله أسلوباً ومعنى ، ويستخدم كل حيل الكتابة الإبداعية الجديدة ، من شاعرية غنائية منسابة تتكئ على موروث البلاغة وعلى أحدث منجزات القصيدة الشعرية الحديثة والترجمة للآداب الأجنبية ، ممتزجة في مقال أو رسالة بحكاية أو قصة : تسخر من الحاضر آخر العاجز ، تضخم عيوبه في تفاصيل صغيرة بانفعال معاكس لتوجه أخر واقعي شمولي وتشير إلي ضوء بعيد قريب باتجاه الشمال كفردوس كمثال كحلم لا يتحقق .تهذي بلا انقطاع وهي تتفحص أعماقها الداخلية متحرقة (بإدراكها) لغياب الفعل الخلاق : (لا يكفى أن نحدد المهمات فحسب ، بل علينا أن نحل مشكلة الأساليب التي تمكننا من تحقيق هذه المهمات ..)
وكانت تجربتها الأساسية ، تجربة الفرد الذي يقف وحيدا في مواجهة العالم ، غربياً بين غرباء يعاني العزلة والوحشة كوحوش البراري الضارية ، ويتضخم عندها الشعور بذاتها وسط القطيع (الذي لا يدري إلا الله لم خلقت لها الأجنحة) أو (التي لم يحبل جبينها ابدأ بقطرة من العرق) ، وتتملكها –وهي تعلن احتجاجها الرومانسي عن هذه الوضعية حكاياتها الواقعية أو الخرافية التي تشير إلي غربتها الأبدية وأحلامها التي ظلت تناشد معانقة الآخرين.
ونعود إلي الأسئلة : هل طرحت كتابات الفاخري أسئلة الحاضر الجوهرية ؟
هل حاولت أن تقيم (جسراً فوق المياه العكرة) باتجاه فردوس يتسع باتساع الحرية .. عالم جديد تصنعه ، وهو تفصح عنه عبر إشاراتها الخافتة بمشكلة أداة التغيير الفاعلة؟
هل أشارت هذه الكتابات ، وهي تعاني أسئلة التكوين والتحول، إلي ضرورة أن تعيد قراءة ذاتها ، بناء ذاتها حين واجهت مشكلة الحرية في بعدها الاجتماعي .. وهي تكافح تحدى الواقع المتجاهل لقدرتها وإمكانياتها العظيمة من أجل أن تكون حرة ولا تبيع ذاتها ، في زمن ارتبطت حياة الناس فيه بالثروة :
( من يشتري كلمات مثل عيون الأطفال ؟
من يشتري كلمات مرصعة بالدموع النحاسية مقابل رغيف ؟
أجل ، مقابل رغيف !
من يشتري ؟! )
هكذا أعلنت هذه الكتابات احتجاجها رومانسياً على رداءة الواقع في سعيها إلي الترحال الدائم والحلم بفردوس لا يتحقق وظلت وهي تعاني تناقضاتها تنشد انسجاماً واقعياً بأفق مثالي في وحدة مع الآخرين ظلت تنبض في روحها باستمرار .
كانت أغنية ضد الوحشة … وضد الوحدة واللامبالاة المنتشرة هنا بشكل مقيت .
كانت موقفاً ضد أي قيد يجعلها سجينة هزيمتها التاريخية ويحتجزها لتنظر إلى العالم عبر نافذة الجحيم تتألم وهي عاجزة عن المشاركة في تغيير الحياة .
ناشدت تميزها حريتها – فوضاها… وكتبت حكاياتها تعبيراً عن حبها للآخر .
ساهمت في تنوع المشهد الثقافي الليبي وشكلت إضافةً هامة إلي جماليات الكتابة .مشيرةً إلي بدء إشكالية العلاقة بين الكتابة والسياسة فتشوبها مشاعر التمرد الوجودي والقلق والخشية من إلغاء صوتها المتميز وتحويلها إلي تابع ..
كان المجتمع قد دخل مرحلة جديدة ولم يعد ثمة مكان لأية مصالحة أو حياد أو انسجام عبر هامش لايني يضيق .
كان على أقلام كثيرة أن ترحل أو تصمت أو إذا حاولت .. يدفعها الصراع إلي مرافئ الغربة والعزلة … أو إلي فتات عائدات النفط منكسرة الرؤى والأحلام .. وكلما استيقظت من (نومها) اصطدمت بالجدار الصلد فيهتز إيقاع الذاكرة وتتقطع تداعياتها الشعرية في الفوضى والضجيج وتمتلئ الأحلام ببقع الدم.
كانت لحظة تحول معقدة .. وتجلت مظاهر الصراع فيها على المستوى المعرفي والثقافي الأدبي في موضوعة أخرى: موضوعة الاختيار للنهج الذي يتبع ، أو البحث في الإجابة عن سؤالها : كيف نكون ؟ ( فإنك تنظر ، وتسمع ، وتحلم ، مدركا – اثر انحباس المطر – أن الشمس ستنهض بعد قليل ، وأن عليك أن تنهض أنت أيضاً لكي تسعى في أرض الله ! ).

أخيرا... يا أستاذ رضا كسبنا صوتا جديدا وجميلا..في هذا العالم الافتراضي.
ردحذفغنِ .. فالوحشة مرة.
عطية الأوجلي
lkhfdds
ردحذف