الثلاثاء، 15 سبتمبر 2009

علي الصادق حُسنين


شـارع كوشة الصفّار بين ذاكرتين

مقدمــة

ليس من شك في أن حلقات من تاريخنا ما برحت مخزونة في ذاكرة بعض البالغين من العمر عتيا أو مدفونة في بطون الكتب والحوليات والدوريات والفصليات والتقارير المحررة بغير لغة الضاد وذلك إما جراء ظروف استثنائية طرأت على حياة البلاد والعباد وإما نتيجة لتقصير القادرين منا على استخراجها والاستفادة منها والإفادة بها. وبالإضافة إلى ما تقدم ثمة سبب آخر يتمثل في تقاعسنا عن بذل عناية جادة بتعليم اللغات الأجنبية وبتكوين جيل من المتقنين لها والقادرين على الانكباب بعشق على التنقيب مباشرة في المصادر المذكورة عن كل ما من شأنه تصحيح تاريخنا أو إثراؤه. ولا يفوتني في هذا السياق أن اعترف بأنني قد استفدت شخصيا وما زلت استفيد كثيراً من إلمامي المتواضع ببعض الألسن الأجنبية ولولا ذلك لما استطعت الوقوف على كثير من الحقائق.

أجل، إن فكرة الكتابة في هذا الموضوع ظلت تراودني منذ بضع سنين وقد آن الأوان لتنفيذها قبل أن تفعل الشيخوخة- التي أدركتني- فعلتها فتتبخر الذكريات وتتلاشى الأفكار مع العلم بأني لم أباشر العمل إلا بعد اختيار رفيق مناسب يعينني بذاكرته ويصاحبني في هذه الجولة على طول شريان كوشة الصــــفار ابتداء من شارع الزاوية الكــــبيرة – جنوبا- إلى مفترق بئر الشامي – شمالا – دون الخوض في الأزقة النافذة وغير النافذة ( التي تطلق في التعبير العامي الشعبي على الواحدة منها " الزنقة اللاطمة") المنبثقة عنه والتي تستحق جولات خاصة سأكتب عنها فيما بعد إن شاء الله.

ولحسن الحظ عثرت على رفيق تقـي و صديق وفــيّ صبور مستعد لمصاحبتي ولمساعدتي – بقدرته الذهنية – علي تحقيق المرام. إنه الجار القديم والصديق الحميم الحاج محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد الوراق الذي هو من أبناء جيلي ومن أقدم سكان الشارع وكان في وقت من الأوقات من أقرب جيرانينا بزنقة المكني وشاءت الاقتدار أن يكون زميلا لي في العمل بنظارة الأشغال العامة في منتصف خمسينيات القرن الميلادي الماضي.

فلا بد من تسجيل خالص شكري له ولشقيقه الحاج عبد الله، مؤذن جامع الناقة وقيم الزاوية القادرية الذي هو أصغر منه سناً و الذي عقدت معه – عند انشغال أخيه – بضع جلسات لم يبخل عليّ فيها بما كان بجعبته من معلومات. ويطيب لي اغتنام هذه الفرصة للإشادة بالعلاقات الودية التي ظلت – منذ أكثر من خمسة وسبعين حولا- تربط الأخوين المذكورين - من جهة –بي وبشقيقي كامل من جهة أخرى، وهي وشائج مبنية على أساس من المودة والمحبة الخالصة لوجه الله سبحانه وتعالى .

إن عقدي العزم – بعد الاستعانة بالله – على تحرير هذه الورقة كان بدافع من حنيني إلى مرتع صباي الذي شاءت الأقدار أن أحل به وأنا في السابعة من عمري تاركا شارع ميزران مسقط رأسي ورأس كل مــن أبي وأمي وأخوتي وأعـــمامي وعماتي وأخوالي وخالاتي. واعتذر لما قد يلاحظ من أخطاء ارتكبتها نتيجة سهو أو نسيان فالكمال لله عز وجل.

هذا وقبل الدخول في صلب الموضوع لا مناص لي من ملاحظة أنني:

أولا- نهجت ما أسميه أسلوب المحطات بحيث كلمـــا تطرقت لذكر موقع أو شخص أو عقار متميز ما أوردت – في إيجاز – ما لدي عنه من أخبار خاصة أو طريفة.

ثانيا- حاولت – بقدر الإمكان وبحسب الأحوال – إيراد اسم مالك العقار أو ساكنه أو مزاول نشاط في رحابه.

ثالثا- بغية التوثيق الأمين في سياق الحديث عن هذا الشارع حرصت على ذكر بعض ما شهده من أحداث وعلى التطرق لما لا يزال في الذاكرة من أسماء سكانه - دونما تقيد بالزمن- ومن أسماء من تميز منهم بمزاولة حرفة أو مهنة أو بممارسة هواية أو نشاط ما، ولا يفوتني أن استمطر شآبيب رحمة الله على من ارتحل منهم إلى دار القرار وأن أدعو بطول العمر لمن لا يزال منهم على قيد الحياة.

رابعا- استهدفت تشويق القارئ أو المستمع وإثارة فضوله سيما إذا كان من الجيل الصاعد، كما حاولت جعله يستمتع بالتجوال معي.

لقد أصبح باب الحرية في الواقع أثرا بعد عين واسما بلا مسمى بعد أن كان - عبره وعبر الجزء الغربي من طريق الحلقة – الوصول إلى الشارع محور الحديث. لقد تمت إزالة هذا الباب إبان عهد الاستعمار الايطالي إذ أزيل جزء من سور المدينة كان يمتد من هذا الباب صوب الغرب حتى باب زناته، ذلك المَعْلَم التاريخي الذي ظل منذ ستين سنة ونيف ينتظر الترميم والإنقاذ من الخراب. فبعد إزالة السور وتحويل جزء من مقبرة العيسوية المجاورة للزاوية الكبيرة إلى طريق أضحى من السهل الوصول إلى شارع كوشة الصفار مباشــرة.

هذا ولا بد من استرعاء الانتباه إلى أنني أقصد في هذا السياق مجرد شارع وليس محلة "كوشة الصفار ". التي تمتد حدودها – فيما أعلم – إلى محلة حومة البلدية شرقا وإلى محلة حومة غريان غربا ومحلة باب البحر شمالا . وينتهي الشارع موضوع البحث عند مفترق بئر الشامي حيث يتقاطع كل من شارع سوق الحرّارة (أو سوق اليهود) وشارع سيدي الحطاب وشارع حومة غريان.

ولعــله من المفيد ملاحظة أن شوارع مدينتنا القديمة وأزقتها- إسوة- بما يحدث لسواها في مدن العالم الأخرى- عرفت بالتداول والتواتر بين الأجيال المتعاقبة التي كانت تقوم – تلقائيا وحسب ظروفها - بتغييرها واستبدالها إذ نجد اليوم لبعض منها اسمين أو أكثر و أضرب مثلا على ذلك زنقة بريون التي تعرف أيضا بزنقة المجر وبزنقة المرابط ، وزنقة العربي التي تعرف أيضا بزنقة القاجيجي، وزنقة الشيخة زينوبة التي تعرف أيضا بزنقة الكوشة.

ومن ناحية أخرى ظلت تنسب بعض العقارات لملاكها أحيانا ولمستأجريها أحيانا أخرى. فعلى سبيل المثال إن البيت القائم حتى الآن بزنقة المكني رقم (5) كان قد استأجره والدي من أسرة التركي لأجل إسكاننا فيه. ولكن بعد عودة عائلتنا إلى شارع ميزران استمر يعرف لردح من الزمن بحوش الحسنين علما بأن ملكيته آلت مؤخراً إلى الحاج عبد الله الوراق بعد أيلولتها إلى محمد رمضان بن يعلى.

تنتهــي - عند هذا الحد- المقدمة وانتقل إلى تناول صلب الموضوع – فأباشر على بركة الله – الجولة ابتداء من الطرف الجنوبي للجانب الشرقي من هذا الشريان ثم أتناول الجانب الآخر ابتداءً من طرفه الشَّمالى.

• إن أول محل كان دكان لبيع زيت الزيتون والسمن يديره ميلاد حدود والد الصديق خليفة وجد مقام ابني ناصر المعروف بهوايته فن المألوف و قرع النوبة والطبخ واقتناء الكتب التاريخية والأواني التقليدية والتحف القديمة التي يملك منها تشكيلة اشترك بها في عدة معارض أقيمت بمناسبات مختلفة أذكر منها واحدا كان تنظيمه منذ بضع سنين بمدرسة الفنون والصنائع الإسلامية.

• دكان للحاج محمد الجعفري كان يبيع فيه الكاز والفحم و الحطب والكوانين والحبال والماشات والمكانس والفتاشات والمراوح والسطول والحماميس وغير ذلك مما سأختصر الإشارة إليه في المحطات التالية بالعبارة " مواد الوقود" علما بأن دكانا آخر كان للمذكور على الجانب المقابل.

• عِلّيّ كانت تملكه عائلة المبروك و يسكنه عزاب غدامسيون كانت حرفتهم صنع نوع طريف من الكعك الصغير الذي يتميز بنكهة غير مألوفة وأذكر أنهم كانوا يجولون به ويبيعونه لاسيما للمسافرين في محطة السكك الحديدية التي كانت في الشارع الغربي والتي تحتل موقعها الآن عمارة مجمع الإذاعتين المرئية والمسموعة .

• مشغل أحمد البوليس الذي كانت صنعته " البلغة " ذاك النعل التقليدي المصنوع من الجلد والمزدان بزخارف مطرزة بخيوط حريرية ملونة تغطي أعلى مقدمته.

• دكان يزاول فيه محمد البنغازي حياكة الأردية النسائية، وكان يزاول حرفته بمعيته البلاغجى أي صانع ومصلح الأحذية أو الإسكافي سليم الشتيوي .

• طاحونة عمر الكمباري والد الصديق عليّ الذي كان موظفاً بمصلحة الضرائب و من محبي الرياضة ومن مشجعي نادي الاتحاد. لقد اشتهر عمر الكمباري بإعداد نوع لذيذ و فريد من الخبز في أقراص كبيرة تشبه في حجمها لكومَانيّة ( ربما لكمّونيّة )، أي رغيف الخبز الذي كان يوزع على الجنود الإيطاليين. ومن الجدير بالملاحظة أن لفظة طاحونة تعنى إما محل طحن الغلال فقط وإما محل عجن دقيق الخبز وتقريصه فقط، وكانت تعنى في الأصل المحل الذي يُزَاول فيه النشاطان.

• ومن الجدير بالملاحظة أيضا أن الطاحونة المذكورة حوَّلها - في منتصف ثلاثينيات القرن الميلادي العشرين - المواطن محمد بزّع إلى مصنع لإنتاج الطاقية الحمراء التي يقبل على لُبسها الليبيون. ولكن سرعان ما باء مشروعه بالفشل إذ لم يستطع منافسة الرُّصّاع و السنوسي و غيرهما من المنتجين التونسيين لهذه السلعة التي ظلت منذ عهد بعيد وما برحت تلقى رواجا في بلادنا أيضا.

• متجر الحاج العارف بن عثمان لبيع غزل القطن الخاص بحياكة الأردية التي تستعملها النساء في الأرياف.

• دكان لبيع المواد الغذائية لصاحبه ناجي بن ناجي .

• عِليّ كانت تسكنه عائلة رونسيزفالّي التي كان أحد أبنائها زميلي في المدرسة الثانوية للتأهيل المهني والتي تعد من الأسر الايطالية القليلة جداً الساكنة في هذا الشارع.

• دكان صغير يزاول فيه الكندراجي ( تعني بالتركية الاسكافي) الأسطى( بالتركية معلم الحرفة) محمد المكي علما بأنه كان يصنع أفخر الأحدية الحديثة التي لا يستطيع اقتناءها إلا ذو حظ عظيم وكان يضاهيه في إتقان الصنعة كل من الأسطى مصطفى شركس ومحمد الغرياني.

• السّباط الوحيد في الشارع بأسره الذي يقع تحته مدخل زنقة داود التي يسبقها دكان محمد بن عثمان -أحد القصّابَيْن - المزاوليْن للمهنة في هذا الشارع بأسره.

• بعد تجاوز السّاباط المذكور دكان لبيع الخضروات والفواكه كان يديره محمد حويل والد الفنان عبد اللطيف الذي اشتهر بأغانيه العاطفية.

• دكان الحاج محمود المغربي الذي- إضافة إلى بعض المواد التموينية - كان يبيع السلع المحتكرة المتمثلة في أنواع اللفائف والتبغ والمضغة و النفة والوقيد وملح الطعام بنوعية الخشن و الناعم والبافرة (ورق رقيق يبرم أي يلف فيه دخان الشعرة فيصبح سيجارة أقل تكلفة من سيجارة المصنع) وسأختصر- ذلك في الفقرات التالية- بالعبارة "السلع المحتكرة". إن صاحب هذا المتجر كان رجلا سمينا طويل القامة جميل الملامح أبيض البشرة وتغشى وجنتيه حمرة. كما كان هادئ الطبع كريم الخلق متدينا وذا ثقافة فقهية اكتسبها جراء تردده على حلقات دروس العلم في المساجد حتى أنه اختير إماما لمحلة كوشة الصفار و كان هو الذي حرر عقد قراني في سنة 1957م. يقع هذا المتجر على الناصية اليمنى من شارع جامع النخلي.

• وعلى الناصية الأخرى من الشارع المذكور دكان لبيع الخضروات كان يديره محمد الشديدي، جد فرج الشديدي- الذي كان من سكان بلدة الماية وترافقت معه – في العام الدراســــي 1936-1937م- إذ كنا معا بالصف الرابـع في المدرسة الابـــتدائية الايطالية / العربية "أميـــر بيامونتي" الواقعة بشارع مانزوني سابقا (مدرسة أحمد قنابة الابتدائية - شارع المأمون حاليا). وأذكر أن معلمنا العربي كان فضيلة الشيخ أحمد البكباك .

• دكان لبيع المواد الغذائية كان صاحبه عبد العزيز الزقلعي ثم حل محله شقيقه السيد بعد أن فتح هو محلا لبيع بعض المواد الغذائية بالجملة في شارع لئوباردي سابقا ( شارع الرشيد حاليا). كان عبد العزيز رجلا وطنيا غيورا خاض معركة الانتخابات البرلمانية وفاز بمعقد في مجلس النواب.وفي وقت لاحق تولى عمادة بلدية طرابلس.

• دكان زاول فيه بعضهم تصليح العجلات (أو الدرجات) قبل أن يؤول إلى عميّ السويح الذي زاول فيه بيع مواد الوقود.

• بيت عربي جميل ينطوي على طابقين وعلى عديد الحجرات والغرف المطلة على صحنه الواسع. وفي سقيفته سلم يؤدي إلى ما تسمى غرفة السقيفة. يدعى مالك هذا البيت البخاري الثني المنتمي إلى إحدي الأسر الغدامسية العريقة والمعروفة بثرائها والتي دأب بعض أفرادها على تعمير أو شراء أكبر وأجمل الدور في نطاق المركز التاريخي، ومما يَسرُّ حقا أن هذا البيت مازال في حالة إنشائية جيدة. .

• مقابل زنقة شلاكة يقع حوش عبد السلام الزواوي المنحدر من مصراتة وهو خال محمود علي بن ضو والأخوة عبد الوهاب وحسن ومحمد أبناء الأمين الدرويش .

• بعد زنقة بن موسى دكان لبيع مواد الوقود كان صاحبه أحمد بَعرَة الذي حل محله فيما بعد محمد عمر الزقلعي (جحا) وزاول فيه حياكة أردية حب الرمان.

• دكان محمود الرائس الذي كان يصنع السطول والحماميس والكيروانات وأنابيب المداخن وما شابه ذلك الذي هو أخ- غير شقيق- لكل من إبراهيم ومصطفى ابني الطاهر الرائس قيم جامع ابن مقيل.

• يبدو أن الدكانين السابقين كانا جزءا من حوش الحبيب الغدامسي الذي كان هو الآخر من أجمل الـــدور التاريخية إنشائيا ومعماريا. ولكنه ما انفك موضع إهـــمال وقــــد أدركــــه

- وآ أسفاه! - الخراب وكان يسكنه قَيِّم جامع ابن مقيل المذكور. لقد وقفت على الحالة الإنشائية المتردية التي يعاني منها هذا الحوش المتميز حين زرته قبل نحو عقدين من الزمن. ومن الجدير بالذكر أن على شمال مدخل هذا المنزل كانت مثبتة على الجدار آلة حديدية اسطوانية الشكل على هيئة بكرة كان ينطوي تحت غلافها حبل فولاذي لرفع وتنزيل "اللمبارة "(كلمة ايطالية تعني نوعا من الفوانيس الكبيرة العاملة بالكيروسين)- ذلك الفانوس- الذي كان يتدلى من حاملة حديدية جميلة لإضاءة مدخل زنقة حواء علجية وما بجوارها. لقد أفادني الحاج عمر محمد الشّلّي أنه يذكر مناسبة تركيب هذا الفانوس في أواخر العهد العثماني الثاني إذ شجع الصبيان على الخروج ليلاَ لأجل اللعب في ضوئه بعد أن كانوا محرومين من مغادرة مساكنهم ليلا خشية الظلام الدامس المخيف.

• دكان البقال حسن التركي لبيع المواد الغذائية، الذي تعاقب على شغله محمد الصادق القروي ثم ابنه الأكبر المدعو الصادق الذي كان من الشباب المتحمسين للقضية الفلسطينية ومن أولئك اللبيبين الذين تطوعوا للجهاد في سبيل تحرير فلسطين المحتلة. وإثر عودته من الجهاد زاول الحياكة في المحل نفسه وبعد ارتحاله إلى الدار الآخرة خلفه فيه الصديق الحاج عمر رمضان حدود حائك الأردية النسائية الحريرية.

• دكان لبيع الخضروات والفواكه كان يديره محمد بيرام والد كل من مصطفى وعبد الرزاق وبشير ومحمد. إنما قبلئذ – أي في مطلع عشرينيات القرن الميلادي العشرين- كان يزاول فيه والدي البقالة مع تصليح آلات الخياطة و الفونوغرافات–التي وضع مقابل عربي للوافد منها هو( الحاكي) أي آلات الغناء - وبيــع اسطوانــــات أغــــاني أشهر المطربين المصرين مثـــــل سيد درويش والشــيخ الصفتي و وصالح عبد الحي وعبد الغني السيد ومنيرة المهدية ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهم. وجدير بالملاحظة أن وثيقةً عثرت عليها شخصيا في دار المحفوظات التاريخية بالسرايا الحمراء تثبت أن قصب السبق كان للمرحوم والدي في استيراد مثل هذه الاسطوانات المذكورة من مصر في سنة 1914.

• كانت حركة الجهاد ضد المغتصبين الايطاليين لا تزال في أوجها ودفعت كثيرا من المواطنين إلى الهجرة في محاولة لمزاولة مهنة أو حرفة يسترزقون منها. إن والدي رحمه الله – لم يعد يملك رأسمال يمكنه من استقلاليه العمل التجاري وإذ سبق له مزاولة المحاسبة والمراسلة التجارية محليا مع رجل أعمال نمسوي يدعى روضولفو غازنسكي قد اكتسب تبعا لذلك مزيدا من الخبرة التجارية والتمرس في اللغتين الإيطالية والفرنسية إضافة إلى حسن خـــطه وإنشائه باللغة العربية واللغتين الأجنبيتين المذكورتين. وفي فـتـــــرة لاحقة - حوالى سنة 1925 م- إذ عرض علـــيه صديقه المرحوم الطيب الحضـيري العمل معه في نيجيريا كمحاسب وكاتب، دفعته ظروف خاصة إلى قبول العرض و لم يلبث أن احتفل بختاني - وأنا في اليوم الأربعين من عمري- وأعد العدة لمغادرة طرابلس بحراَ عن طريق تونس ومرسيليا وداكار عاصمة السنغال وكوتونو عاصمة داهومي ثم واصل الرحلة بالقطار- عبر لاجوس - إلى كنو حيث استلم وظيفته و باشر عمله. و بعد فترة من الزمن استطاع أن يستقل ويفتح دكان بقالة لحسابه كان من جملة السلع التي كان يبيعها العطور ومواد الزينة والخردوات وحتى الإسمنت. وفي موسم جني الكاكاوية (الفول السوداني) كان ينتقل إلى المناطق الريفية لابتياع ما تيسر من المحصول لحساب أحد وكلاء الشركة البريطانية الكبيرة المحتكرة لهذا المنتج.

• ولما زارنا للمرة الثانية في سنة 1931 لاحظ ازدياد عدد الأسر الايطالية المقيمة في أرجاء البلاد ولا سيما في منطـــقة شارع ميزران: الأمر الذي جعله ينقلنا – قبــــل مغادرته - إلى " حومة المسلمين" -على حد قوله – داخل أسوار المدينة القديمة حيث استأجر لنا البيت رقم 5 بـــزنقة المكنى المتفرعة عن شارع كوشة الصفار. بعد غياب دام نحو 18سنة زارنا سنة 1950 - إبان الإدارة البريطانية التي حلت محل الحكم الاستعماري الإيطالي. وفي إحدى الأمسيات إذ كنا جالسين معا في صحن البيت حول "عالة الشاهي" وإذ لاحظ أنني وأخي ما كنا من المدخنين، أعرب لنا عن ارتياحه لعدم تحكم عادة التدخين فينا. فكان جوابي عليه بالقول المأثور" الابن نسخة من أبيه" حيث إننا لم نعهده يدخن. ولكنه أفشى لنا بأنه كان في وقت من الأوقات يدخن (وبالفعل وجدت بعد وفاته صورة له ممسكا بسيجارة بين أصبعيه) وبأنه عقد العزم ذات يوم على الانقطاع عن هذه العادة شارحا لنا الأسباب. حين كان يعمل بدكانه في شارع كوشة الصفار اعتاد أحد الجيران - لم يذكر لنا اسمه- المجئ إليه في ضحى كل يوم تقريبا طالبا "برم سجارة" . إن تكرار هذا الأمر قد أزعج والدي وتعقد منه وأصبح له كالهاجس. فذات ليلة وهو في طريق عودته من الدكان إلى البيت عاوده هذا الهاجس فصمم على التخلص منه في اليوم التالي بالانقطاع عن التدخين كليا. وفي الغد فتح دكانه صباحا كالمعتاد ووضع كعادته "كوتى"- أي علبة - الدخان بما فيه من تبغ و ورق البافرة ووضع عليه علبة "الوقيد" عاقدا العزم – لدى حضور جاره كالعادة– على أن يجيبه بالآتي " أدخل الدكان وخذ الكوتى والبافرة والوقيد ولا تعد تطلبها منى بعد اليوم لأنني تبت من التدخين!"

• على الناصية اليسرى من زنقة الإزميرلى يقع مشغل الأسطى مصطفى شركس الذي كان - كما سبق القول- واحدا من أشهر الإسكافيين في المدينة.

• دكان جمعة ناجي القماطي الذي كان متخصصا في بيع زيت الزيتون.

• دكان البقال خليفة العائب الذي كان في الأصل برفقة المرحوم والده.

• جامع وضريح ابن مقيل وقد أشتهر بجامع بن موسى لأن بعض أفراد هذه الأسرة تولوا فيه الإمامة والخطابة وقد عاصرت منهم الشيخ مصطفى الذي كان كذلك إمام محلة كوشة الصفار قبل أن يحل محله الحاج محمود المغربي في هذه الوظيفة .

• قبيل مدخل الجامع كانت حنفيه عمومية يتزود السكان منها بماء الشرب إما بنقله مباشرة وإما عن طريق " النقالة" مثل خالتي فطيمة المصراتية التي كانت المرأة الوحيدة الممارسة لهذه الحرفة بالمنطقة، كما كان يمارسها رجلان- أحدهما كفيف كان في سبيل لقمة العيش يَكِّدُّ ليلا بالتجوال في الأزقة لبيع الفول والحمص والقلوب والكاكوية والحب عزيز.

• تحد بهذا الجامع زنقة الزقوزي التي سكنت بها أسرتي قبل أن أرى أنا النُّور في عِلّيّ كان يملكه المحامي الشيخ محمد شاكر الزقوزي. و بطبيعة الحال يقع هذا الجامع على ناصيتها اليمنى وتقع على ناصيتها الأخرى عمارة ذات واجهتين: إحداهما- جنوبية - بها دكان زاول فيه البقالة بالتعاقب الحاج مصطفى محمد الشّلي ومصطفى مسلم ومحمد شنيبة، والأخرى- غربية- بها باب ثان للدكان المذكور ومدخل عِلّيّ كان يسكنه الحاج يوسف المشيرقى الذي كانت تملك نسيبته العمارة بصفتها من ورثة الثري المصراتي كرشود. كما بهذه الواجهة مدخل آخر لبيت بالطبقة الأرضية كان يسكنه علي الفيتوري بن رحومة والد كل من الحاج محفوظ ومحمد والصديق وبشير.

• بيت تابع لأوقاف سيدي الصيد أذكر أن من بين من سكنوه كان الأستاذ محمد حسين الزقعار وهو نجل احد تجار قوافل السودان الذي لقي حتفه في غارة شنها قطاع الطرق على قافلته بإقليم واداي (تشاد).

• أبان الإدارة البريطانية عمل الأستاذ محمد الزقعار معلما وكان من العناصر النشيطة في النوادي الثقافية والرياضية وخاض غمار السياسة وشارك في مطلع الاستقلال في معركة الانتخابات العامة وفاز بكرسي في مجلس النواب. ولما ترك مسكنه المشار إليه حل محله الشيخ أبو بكر بن أبي بكر بن مولاهم والد كل من محمد وعبد الرحمن وكان يحترف حياكة الأردية النسائية الحريرية. إن هذا الرجل كان على مستوي من الثقافة الدينية وربما من حفاظ القرآن الكريم و تولى إمامة الأوقات في مسجد بشارع قوس الصرارعي. إن نجله الأكبر محمد جاء نسخة من أبيه وقد امتاز عنه بتعمير مسجد جامع مؤخرا في منطقة سكنية جديدة عبر الفرناج قرب مركز العلاج الطبيعي .

• حوش الحاج محمود المغربي السالف ذكره والذي كانت تظلل صحنه دالية كثيرا ما كان يطلب الجيران سيما في الربيع قدرا من ورقها لإعداد طبق من "الضولمة" الشهية. كان يساكن الحاج محمود كل من أسرة الحائك الحرائري محمد العروسى القرقنى وأسرة رجل ترهوني الأصل يدعى زايد كان يعمل بمؤسسة السكك الحديدية وكان واحداً من سائقي القاطرات العرب القلائل.

• محل صغير غير لافت للانتباه ومهمل جدا أشتهر بأنه ضريح سيدي الصفار ولكني حين دخلته لم ألاحظ فيه أثرا لقبر. وبين الحين والآخر كان يسكن في هذا الضريح بعض الشيوخ العزاب. من بينهم الشيخ الكفيف علي الجمل الذي كانت حرفته - قرع النوبة - في الأعراس و- كضاولجى في ليالي شهر رمضان وفي أيام عيد الفطر– إذ كان يجوب الشوارع والأزقة – برفقة شقيقه ميلود .

• دكانان كانا للبقال محمد بالخير :أحدهما مواجه لزنقة المكني وكان لبيع مواد الوقود والآخر مواجه لضريح سيدي مفتاح و كـان لبيع المواد الغذائية والخضروات والفــــواكه. و بعد وفاته خلفه - على التوالي - كل من أنور عبد السلام سيالة و علي المشوي. ولما ترك الأخير المحلين شغل عبد الله اشتيلة احدهما وزاول فيه حياكة الأردية القطنية و شغل الآخر علي حامد. وبعد فترة من الزمن حل الحائك عبد الله عمر الزقلعي محل عبد الله اشتيلة وحل محمد حويل محل علي حامد. وبعدئذ شغل أحمد شادي الدكان الأول.

• وشغل عبد السلام القاضي الدكان الآخر الذي يقع على الناصية اليمنى لزنقة العربي . أما على الناصية الأخرى من الزنقة ذاتها فيقع بيت يملكه السايح فلفل وكانت تسكنة أسرة سليمان قرجي والد مصطفي ومحمود .

• دكان الميلودي لبيع الخردوات.

• محلان يشكلان مقهى عمي مرسال المشهور: كان أحدهما مجهزا بمقاعد خشبية ثابتة تحيط بالجدران من نواحٍ ثلاث وكان الآخر مجهزا بمقاعد خشبية مماثلة على جزء من الجدارين الأيمن والأيسر. وتفصل الربع الجوفي من المحل الأخير منضدة بها حوض لغسل الأواني وعليها أوعية السكر والشاي والقهوة والأدوات من ملاعق وفناجين و كؤوس. ويشغل " الوجاك" (وهي كلمة تركية تعنى موقد) الركن الجوفي الأيسر. إن عمى مرسال كان لا يقدم المشروبات الغازية ولو في الصيف وإنما كان يقدم - في فصل الشتاء فقط - ويبيع للراغبين السحلب - المرشوش عليه مسحوق الزنجبيل و الذي يحتل بكرجه - النحاسي الكــبير ذو العنق الطويل و المتلألئ جراء طلائه بالقصدير - محله خارج نطاق المنضدة الفاصلة وذلك أسوة بقرطلّة القلوب والحمص و الكاكاوية اللذيذة التي يشتهيهما الصغار و من له أسنان من الكبار في كل وقت و أوان.

كان هذا هو المقهى الوحيد في الشارع بأسره ويمتاز بوقوعه في منتصفه تقريبا وبأنه كان قبلة القصاد وملتقى الأحباب من شيوخ المنطقة إذ كانوا يقضون بين جنباته في الغالب فترة ما بين صلاتي العصر والمغرب أو – في أثناء شهر رمضان – يسهرون ويسمرون في "صالته" وبين احتساء فنجان قهوة أو شاي أو كوب سحلب كانوا يتجاذبون أطراف الحديث متناولين آخر أخبار الساعة. كان من رواد هذا المقهى الحاج محمد اندشية والحاج مختار القروي والأمين بَريُون والأخَوَان محمود والهادي طروشة صاحبي المطحن العصري الكائن بشارع حومة غريان .

وفي هذا الشهر المفضل أيضا كانوا يستمعون أحيانا لما يسرده بعضهم من قصص التراث الشعبي نحو حكاية " أبى زيد الهلالي" وحكاية "رأس الغول" فكان يتحمس أحدهم لبطل القصة وكان يسخر آخر منه فيثير ذلك جدلاً صاخبا بين الجانبين.

كان عمي مرسال شيخا زنجيا نحيف البدن وطويل القامة وكانت له شخصية متميزة لا سيما في الأعياد حين يرتدي ملابس خاصة ويضع على رأسه " الطاقية العصمانلية " أي الطربوش الأحمر. إنه كان يتقن طهي ألذ المآكل التركية إذ يبدو أنه كان في العهد العثماني "عاشيا" – أي طاهيا- لأسرة أحد الشخصيات التركية.

فوق محلي المقهى الفائت ذكره كان (عِلّيّ) يسكنه محمود الطوبجى وشقيقتاه ويلي مدخله المقهى. وأسرة الطوبجي (أي المدفعي في اللغة التركية) من الأسر الطرابلسية العريقة كانت تملك بستانا في بداية شارع ابن عاشور يضم بضعة أفران لإنتاج الجير.

في أعقاب الاحتلال الايطالي هاجرت هذه الأسرة إلى تركيا. وعادت في وقت لاحق إلى طرابلس حيث زاول محمود- وبإتقان فني رفيع – حرفة تجليد الكتب ومارست شقيقتاه أو أحداهما تعليم الأشغال اليدوية. ومن الجدير بالذكر أن هذه الأسرة تربطها صلة قرابة بأسرتي إنديشة وحسن بك.

• يلي (عِلّيّ) الطوبجي دكان الحاج مصطفى بن عياد الذي كان يزاول فيه أعمال النجارة الخفيفية مثل "تطبيب القصاع" والذي كان مكلفا من إدارة الأوقاف برفع الأذان في مسجد ابن نور الواقع على نحو عشرين خطوة من دكانه.

• يلي دكان الحاج مصطفى المذكور دكان شغله على التوالي كل من:

- الحاج بلعيد القماطي مع أحمد ابن أخيه بائع زيت الزيتون اللذين انتقلا فيما بعد إلى الدكان رقــم 3 بزنقة المكنى

- حمّاد الزقعار(والد النجار عبد الله) الذي كان يبيع مواد الوقود.

• قبل بلوغ زنقة السماوي دكان آخر زاول فيه بيع المواد الغذائية على التوالي كل من:

- مصطفى المبروك الذي كان من أصدقاء والدي رحمهما الله.

- خليل التركي زوج بنت الفقيه الشيخ علي الزرقاني الذي كنت احد تلاميذه بكُتَّابه في شارع قوس البسطى. وجدير بالذكر أنه لو لم يطل غياب والدي في نيجيريا ولو لم يكتتبني خالي الأصغر يوسف مصطفي الفيلالي في مدرسة أمير بيامونتى الابتدائية الايطالية / العربية [احمد قنابة حاليا> التي كان مدرسا بها لكان عَلَيّ مواصلة حفظ الذكر الحكيم ولربما غيّر ذلك مجرى حياتي.

• وبالمضي قدما صوب اليمين وبعد زنقة السماوي مباشرة عقار- كان يفتح بابه سابقا على الزنقة السالفة الذكر- يليه عقار آخر من أملاك العالم الفقيه الشيخ أحمد بن محمود، ينطوي على دكان لبيع الفواكه كان يديره الصادق شكيح وعلى منزل لسكنى أسرة المالك وقد شغله في ثلاثينيات القرن الميلادي المنصرم فضيلة الشيخ أحمد العربي نقيب الإشراف إثر انتقاله من المنزل رقم 4 بزنقة المكنى. كان للشيخ بن محمود ولدان هما: الطاهر الذي كان بقالا و حسن الذي – في أعقاب حرب الصحراء الشرقية واندحار جيوش المحور الألماني/ الايطالي – عاد من أرض الكنانة حيث كان في رحلة دراسية. فعقب عودته إلى أرض الوطن عمل مدرسا ابتدائيا لفترة من الزمن انتقل بعدها إلى سلك الوظيفة العمومية إذ أصبح- في خمسينيات القرن الميلادي العشرين – مديرا لورش نظارة الأشغال العامة. وفي هذه النظارة جمعتني به ظروف العمل إذ كنت زميلا له كرئيس للقسم المالي.

• زنقة البدري ( أو عريبي) يقوم على ناصيتها اليسرى دكان عبد الله المغربي شقيق الحاج محمود السالف ذكره و الذي خلافا لأخيه كان رجلا نحيفا معتدل القامة و كان – أسوة بأخيه - أبيض البشرة تخضب وجنتيه حمرة وكان مرحا مزاحا لا تفارق الابتسامة شفتيه. تزوج أخت الشيخ مصطفى الصديق الكعبازي وخلف منها بنتا واحدة وأربعة أولاد ناصر وإبراهيم و لطفي و محمد رجب. ويؤسفني شديد الأسف أن أتعرض – من باب التوثيق – لذكر مقتل هذا الإنسان الوديع. في مساء يوم 12من شهر رمضان 1363- الموافق30 لشهر أغطس 1944م على وجه التقريب. بعد صلاة التراويح كان اغلب الناس - كما جرت العادة- سهارى في المرابيع و بيوت الفنادق و الدكاكين وعلى قارعة الطريق متسامرين في مجموعات فمنهم من كانوا يتسلون بلعب الكارطة " الورق" أو الضامة أو الشطرنج أو يستمعون إلى برامج محطة لندن أو الشرق الأدنى أو القاهرة أو يتجاذبون أطراف الحديث أو يراجعون نصا فقهيا أو لغويا أو أدبيا بمعية احد العلماء أو الفقهاء. وخدمة لزبائنه دأب عبد الله المغربي على السهر في دكانه الواقع مقابل بيت سكناه واعتاد أن يعرض أقلام الدلاع المتبقية على طاولة خارج المحل تاركا إلى جانبها – كما جرت العادة- السكين الذي يستعمله لهذا الغرض. على شمال بيته (المقابل لمتجره) كان يقع بيت ودكان جاره البقال محمد جحيدر. و في تلك الأمسية - وبلا سابق مشاجرة أو إثراة - نحا الأخير بسرعة و بغتة نحو دكان المغربي و خطف سكين الدلاع وانقض على صاحبه وطعنه به عدة طعنات مميتة ثم لاذ بالفرار إلى منزله. فسرعان ما قامت ضجة واحتشد الناس من الجيران والمارة و حاولوا إسعاف الضحية الذي كان مطروحا على الأرض في بركة من الدم فنقل إلى المستشفى حيث وصل جثة مستنزفة هامدة.ثم حضر رجال الأمن وألقوا القبض على الجاني كما حضر وكيل النيابة وسمعت ودُوّنت أقوال الشهود. وفي نهاية الأمر تبن أن مرتكب الجريمة كان رجلا مخبولا قضى بقية عمره بمستشفى الأمراض العقلية تحت حراسة مشددة.

• مشغل الأسطى الحاج مختار بركة الذي كان يزاول بين أركانه حرفة النجارة التي كان يتقنها وبمهارة لكونه من الخريجِين الأفذاذ الذين تربوا وتعلموا في رحاب مكتب الفنون والصنائع وظل يعرف منذئذ برقمه " كواترو" أي أربعة بالايطالية. وكان يساعده في العمل نجار شاب يدعى شعبان. ولما غادر الأسطى مختار هذا المحل خلفه الأسطى محمد بورأس وزاول فيه تصليح وصيانة آلات الخياطة والفونغرافات (آلات الغناء) والسبيريتيرات (البوابير أي المواقد العاملة بالقاز أي الكيروسين) وإلخ.

• حوش تتوسطه جدولة – أي حوض مغروسة في تربته بعض نباتات الزينة، كان مأوى لعائلة يهودية تدعى ربتها زمُردة وكانت تعود ملكية هذا العقار إلى شخص يدعى الجمّالي.

• (عِلّيّ) من أوقاف مسجد بن صوان يعلو بيت صلاة المسجد ذاته. كان هذا( العلّيّ) وما برح مقر كُتاّب من جملة من تولوا فيه تحفيظ القرآن الكريم كان الشيخ الأمين الإزميرلي الذي تتلمذ على يديه كل من الحافظين أحمد الدعبوب وعبد السلام الزاهي ( صهر الشيخ محمد على الجواب ) والحاج سليمان بن حمزة. وبعد أن غادر الشيخ الأمين الإزميرلي طرابلس مهاجرا إلى بلاد الحرمين الشريفين حل محله في أداء هذه المهمة المباركة الشيخ عبد القادر الزقلعي الذي خَلَفه بعد وفاته نجله الشيخ مصطفي الذي انتقل في وقت لاحق إلى مهنة التعليم بالمدارس الابتدائية.

• مسجد بن صوان الذي كان إمامه– في وقت من الأوقات- الشيخ المهدي أبو شعالة وكان مؤذنه الحافظ أحمد الدعبوب ثم عبد السلام الزاهي وقد دأب الشيخ مصطفي الكعبازي على إلقاء دروس في الوعظ والإرشاد برحابه.

• كانت زنقة الريفي تحد بهذا المسجد شمالا و كان يليها على التوالي بيت سكن به فضيلة الشيخ الأمين الإزميرلي السالف ذكره، ثم حل محله صهره -أي زوج أخته- المدعو محمد بن شعبان. وقد بيع العقار بعدئذ ليهودي وأخيراً آل إلى علي سويسي صاحب المقهى الواقع بعقار سوق الحزامات (رواق الحرية – ماريوطي سابقا) والذي يفتح على شارع باب الحرية.

• زقاق صغير غير نافذ( زنقة لاطمة) ينطوي على بيتين أحدهما يواجه الداخل كان يسكنه الزيات محمد بُزبُز، ويقع الآخر على الشمال وكان يأوي أسرة يهودية باعه ربها فيما بعد إلى عبد الله الحاراتي.

• على يمين الخارج من الزقاق المذكور ( الذي ليس له اسم إذ يعتبر جزءا من الشارع الرئيسي ) حوش كان يملكه أبوبكر السوداني ويسكن فيه.

• دكان زاول فيه البقالة الأخوان حسني ونصير نجلا الفقيه أحمد الطويبي الذي سيأتي ذكره. ثم تحول هذا الدكان إلى مشغل زاول فيه الشقيقان حفوظة والصديق قنّيوه حياكة الأردية الحريرية النسائية.

• بعد تجاوز زنقة باي بنغازي كان دكان للبقال الهادي الحمال خلفه فيه – في مطلع عهد الإدارة البريطانية العسكرية – عامر الطبال المنحدر من بلدة الطويبية والذي كان – قبل الحرب – يعيش في بيت فضيلة الشيخ محمد علي الجواب. وهل لي أن أضيف أن عامرا كان زميلي في المدرسة الابتدائية وفي حلقة دروس اللغة والفقه التي كان يعقدها المرحوم الشيخ عمر الجنزوري في جامع كاره باغلي في منتصف أربعينيات القرن الميلادي الماضي.

• دكان البهلول العجيلي – الذي كان ثاني القصّابَيْن في الشارع- فكان يلي دكان عامر الطبال علما بأن هذين الدكانين قد أصبحا أثرا بعد عين .

• أسوة بسائر الآهلين كان لليهود حق المتاجرة وتملكك الأراضي والعقارات. فالمدعو خليفة اليهودي كان من سكان شارع كوشة الصفار حيث كان يملك العقارات الأربعة التي تلي دكان القصاب المذكور كان من بينها:

(عِلِّيّ) كانت تسكنه عائلة يهودية ، ودكان يزاول فيه المالك بيع الخردوات ومواد الزينة ومستلزمات الخياطة والتطريز، و دكان كان مؤَجرا لأحد المواطنين العرب.

• دكان كان يبيع به محمد المصراتي مستلزمات الخياطة والتطريز ومواد الزينة والأردية. إن هذا الدكان يشكل المحطة الأخيرة التي ببلوغها ينتهي استعراض الجانب الشرقي من شارع كوشة الصفار.

ابتـــداء من مفترق بئر الشامي تتواصل الجولة في الاتجاه المعاكس صوب الجنوب و تتناول الجانب الغربي من الشارع ذاته.

• يبدأ هذا الجانب بدكان صغير كان يحيط بجانبين منه- كما جرت العادة- مقعد خشبي ثابت يحف بأعلاه حصير مستطيل يسمى "تازير". ففي هذا الدكان كان يزاول علي السحوبي الحلاقة وما إليها. ومما خلف في نفسي انطباعا خاصا شقرة بشرةِ هذا الرجل الصبيح وصفرة مقلتيه وبهجة مظهره وانسياب شنبه الطويل الجميل الأسود على شفته.

• دكان كان يبيع فيه أحمد الجبالي مواد الوقود.

• دكان كان يديره البقال محمد الزويلي.

• حوش عربي كبير كان يملكه أحد أفراد الطائفة اليهودية ويسكن به. ثم آلت ملكيته إلى الأسطى يوسف المجريسي حائك أردية حب الرمان.

• دكان لصنع وبيع الجيلاطي( المثلوج) كان يديره اليهودي قاقو، ذاك الرجل الممتلئ البدين الطويل الذي قيل أنه مات مغصوصا بقطعة لحم كان يهم بابتلاعها.

• دكان من أملاك اليهودي قاقو المذكور كان مستأجره محمد مهنى بائع مواد الزينة والخردوات.

• دكان النجار محمود الجمل كان موقعه بعد زنقة شداخ التي تتميز بانتصاب حنفية عمومية (شيشمة) في بداية جانبها الأيمن.

• حوش كان يملكه ويسكن به ميلاد حدود صاحب متجر بيع الزيت السالف الذكر في بداية الجولة.

• من أملاك ميلاد حدود أيضا دكان كان مستأجره البقال حميدة المـزعفـر الذي كان يبيع أيضا السلع المحتكرة.

• حوش من أوقاف الزاوية الكبيرة ( الطريقة العيساوية)سكنت به عائلة يهودية ثم عائلة عربية و- في وقت من الأوقات- أتخذه زكى بانون( نجل الصحفي الأستاذ عبد الله عريبي بانون صاحب صحيفة ( العدل) شيخ الزاوية المذكورة) مسكناً لأسرته .

• دكان و(عِلّيّ) من أملاك الشيخ أحمد بن محمود السالف ذكره: في الدكان كان يزاول الشيح محمد الدعبوب بيع المواد الغذائية وفي العِلّيّ كان يسكن عبد الحميد بن ضو أحد أسباط المالك.

• باستثناء مسجد بن نور، إن جميع العقارات الواقعة فيما بين زنقة المجروح وزنقة بريون كان يملكها في الأصل السيّد شيخ المدينة، المدفون في تربة جامع طورغُد باشـــــــا الذي بعد وفاته آلت ملكيتها إلى ورثته .وتتمثل هذه العقارات فيما يلي:

أـ ‌ثلاثة دكاكين كانت من أملاك زوجة الشيخ أحمد بن محمود وباعها الورثة إلى عبد الله ومحمود نجلي الصادق القروي وقد زاول هؤلاء فيها بيع المواد الغذائية ومستلزمات الخياطة والزينة ومواد الوقود وسمحا فيما بعد لجارهم الحافظ عبد السلام الزاهي قيم مسجد بن صوان بأن يدير دكان بيع مواد الوقود لحسابه .

ب‌ ـ (عِلّيّ) آلت ملكيته لابنى الشيخ الأمين قشاش وسكن به عدة مستأجرين كانت من بينهم أسرة ايطالية.

ج ـ ‌حوش سكنى عائلة الشيخ الأمين قشاش ولما شغر سكنت به أسرة تونسية بالإيجار .

د‌ ـ (عِلّيّ) سكن به -على وجه الخصوص- المرحوم الشيخ الأزهري والشاعر الزليتني الأستاذ الهادي انديشة. وأما الآن فتشغله عائلة مغربية.

هـ - (عِلّيّ) كانت تسكنه أسرة يهودية وتسكنه حاليا عائلة عربية.

وـ ‌دكان يزاول فيه أحد أبناء بن يعْلى حرفة صيَاغة الفضة.

ز ـ ‌حوش أسرة عبد الله المغربي الذي كانت زوجته بنت إبراهيم بن منصور وأخت الشيخ مصطفى الكعبازي لأمّه.

ح‌ ـ دكان صغير كان يبيع فيه عبد الله المغربي مواد الوقود.

ط ـ ‌دكان آلت ملكيته - في وقت من الأوقات- للمواطن محمد جحيدر الذي زاول فيه بيع الخضروات.

ي‌ ـ حوش كان يأوي عائلة مالكه محمد جحيدر.

ك‌ ـ دكان امتلكه محمد جحيدر وأجره من بين من أجره لهم حسين الطويبي ومصطفى الزيات،الذي كان زميلي بالمدرسة الابتدائية السالف ذكرها وكذلك زميلي في القسم المالي بنظارة الأشغال العامة .

ل ـ ‌دكان من أملاك الشيخ مصطفى الصديق الكعبازي كان يمارس فيه الأسطى صالح بن صالح تصليح ألآت الخياطة والفونوغرَافات والدقرمانات ( الآت طحن البن). و في أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الميلادي العشرين كان يزاول فيه البقالة الحاج إبراهيم نجل عبد الله المغربي . أما في الوقت الحاضر فبابه موصد إذ دب إليه - على ما يبدو – الخراب.

م ـ ‌حوش و(عِلّيّ) سكنى الشيخ مصطفى الصديق الكعبازي اللذين تحولا إلى رقعة أرض جرداء يمكن استغلالها وتعميرها أو ضمها لتوسيع مسجد بن نور الملاصق لها.

• بعد تجاوز كل من زنقة بريون وزنقة الكوشة ( أي الفرن) يقوم عقار مشتمل على الكوشة التي اشتق اسم الشارع منها وعلى طاحونة اشتهرت بطاحونة خَمَيِّرة علما بأنها والفرن من املاك الأخوين الصديق ومحمد شرميط. ومن المؤسف حقا أن هــذا العقار بجزءيه قد آل إلى الخراب فحرم السكان من خدماتهما. في وقت مضى كان يصول ويجول بالكوشة كل من الرايس علي والرايس إبراهيم الفزانيين وأذكر أن كان لأولهما ابن اسمه هويدي وكان للآخر ابن يدعى رمضان تخرج من مكتب الفنون والصنائع. وجدير بالذكر أن الطاحونة كانت تلي الفرن و كان يُشّغلّها جمل شكلت هي حظيرته ومكان خدمته لا يفارقها إلا أحيانا في فصل الصيف حين يقاد صباحا إلى شاطئ البياضة للتنعيم بالاستحمام في مياه البحر المنعشة. لقـــــد دأب سكان الشارع عــلى الاستفادة من خدمات هـذه الطاحونة عـندما كانوا يقتاتون – واحسرتاه!- بطحين القمح والشعير. وكان في الطاحونة متسع لتخمير الدقيق وعجنه وتحويله إلى أرغفة كانت تنقل في الوقت المناسب إلى الكوشة المجاورة. وحين تستوي الأرغفة يخرجها الكواش (أي الفران) بالكوريك (بالتركية تعنى المجراف) ذاته الذي يدخلها به في الكوشة فتصدر عنها رائحة فواحة تفتح الشهية . ومن جملة أنواع الخبز كان المُحوّر والخاص وخبز الشعير المسمى " خبزة داده".

و جدير بالذكر أن زنقة الحقة كانت مسرحا لمأساة مؤلمة في أثناء الحرب العالمية الثانية إذ سقطت على احد بيوت هذا الزقاق كان يسكنه الحاج عمر الفلاح –طائرة طرادة بريطانية أصابها الدفاع الجوي الايطالي في الصميم فأودت بحياة طفلة صغيرة وأفزعت ساكنيه وسكان الحي جميعا. وحين حضرت الجـــــهات المسئولة وجدت بيـــــن حطام الطائرة جثة قائدها- لابسا مظلة النجاة.

• دكان الحاج محمود بو خشيم لبيع الخضروات.

• دكان تناوب على شغله وزاول فيه المهنة بعض الحاكة كان من جملتهم الأسطى محمد برناز.

• حوش الكعامي الذي سكن به كل من :

أـ ‌الأستاذ بشير الغويل الذي كان يتقن اللغة الايطالية وعمل ترجماناً بفرع هيئة الإذاعة الايطالية في طرابلس (E.I.A.R.) وأضحى في عهد الاستقلال أمينا عاما لبلدية الحاضرة، مع العلم بأن الأستاذ بشير هو والد كل من عبد اللطيف وعبد الله وفوزي و المحامي إبراهيم الغويل.

ب ـ ‌فضيلة العالم الشيخ عبد السلام الزنتاني والد كل من الأسطى البناء محمد (والد كل من الأستاذ الطاهر وعبد السلام وأحمد ) والشيخ الأزهري خليفة الذي كان معلما وتزوج بنت العارف القاجيجي، احد تجار السودان وصاحب عدة عقارات بزنقة العربي بما فيها حوش القاجيجي الكبير ذو الطراز العربي الجميل الأصيل الذي ما انفك - والحمد لله- في حالة إنشائية جيدة . كما كان للشيخ عبد السلام ابن ثالث اسمه أبو القاسم.

• ضريح سيدي مفتاح الواقع على الناصية اليمنى من زنقة المكني خلف حوش الوراق.

على الناصية الأخرى من الزنقة المذكورة دكان كان في الأصل ملكا للزواوي ثم آلت ملكيته إلى ورثته الذين كان من بينهم زوجة علي بن ضو أخي كل من عبد الحميد و عبد الحفيظ وراسم ووالد كل من محمد وسعيّد وعلي و- أخيهم لأبيهم من بنت الزواوي محمود- لقد زاول البقالة في هـذا الدكان كل من:

- الحاج البهلول الدغيس بالمشاركة مع الشيخ الأمين الخازمي. لم يكن للحاج البهلول ذراري وكان كثيرا ما يستأنس بشقيقي الأصغر كامل وتحيطه بعطفه وحنانه. كما كان يأخذه أحيانا في الظهيرة إلى بيته في زنقة القاجيجي لكي تلاعبه وتتسلى به زوجته الحاجة الخمسية وتحيطه هي الاخرى بعطفها وحنانها.

في وقت لاحق ظــــل الشيخ الأمين الخـــــــــازمي يــــــدير الدكان منفردا إلى أن حل محله محمد الجيلاني الذي صاهر عمي محمد بيرام السالف ذكره والذي أصبح في وقت لاحق من كبار التجار.

- ثم أدار الدكان نفسه الحاج علي حامد الذي كان معروفا أيضا بسيدتيشى (16) أي ستة عشر بالإيطالية، وهو الرقم الذي سبق أن كان يحمله كأحد طلبة مكتب الفنون والصنائع. ومن المعروف أن الحاج علي قد فتح في وقت لاحق- " مطعم الثريا" بشارع ميزران ضمن عقار فندق جبارة.

• و من أملاك الزواوي الأخرى التي آلت ملكيتها بعد وفاته إلى سبطه محمود بن ضو وإلى صهره علي بن ضو كانت العقارات الأربعة التالية للدكان المذكور وهي كما يلى:

أ ـ ‌دكان صغير كان يزاول فيه الأسطى محمد الجدي حرفة النجارة،

ب‌ ـ وحوش سكنه الحائك إبراهيم الأرنؤوطي الذي كانت زوجته خالتي حويوة ميسورة الحال وكانت تقتني جملة من اسطوانات الأغاني العربية التي كثيرا ما كنت أستعيرها منها للاستمتاع بها. و كان من أصدقائي رشاد ابنها من زوجها الأول- الأستاذ الصحفي المناضل محسن ظافر المدنى صاحب صحيفة " الوقت" الذي لم يعد من منفاه إلا بعد أن تحررت البلاد من براثن الاستعمار الايطالي. كان رشاد شابا يكبرني سنا ولكنه ضعيف البصر ومعاقا لا يقدر على المشي إلا بمساعدة عكاز مع تميزه بالذكاء إذ كان بوسعه تصليح أجهزة الراديو وخياطة اليورغانات (اليورغان كلمة تركية تعني اللحاف الذي يفرش على السرير والذي يشبه في وظيفته البطانية وكان ذا ألوان جميلة متلألئة).

ج ـ ‌دكان صغير كان يزاول فيه الأسطى النجار محمود الجمل - السالف ذكره- حرفته.

د ـ ‌(عِلِّي) كان يسكن به رجل زنجى أعزب يدعى بدر ثم سكن به الأسطى محمد أبو رأس السالف ذكره، والد صديّقي محمود والحاج محمد .

أـ ‌إن العقارات الثلاثة التالية آلت ملكيتها للأمين درويش وأولاده بوصفهم صهر وأسباط الزواوي وهؤلاء الاخيرين هم حسن ومحمد وعبد الوهاب الذي كان من شباب المدينة الذين تطوعوا في سنة 1947م للجهاد في سبيل تحرير فلسطين أسوة بالصادق محمد القروي السالف ذكره وبمختار رمضان حدود وعزيز عبد الله فنّةَ و مصطفى الكعامي الذي استشهد في ساحة القتال.

ب‌ ـ دكان كان مستأجره الحاج محمد مصطفي الشلّي ويزاول فيه البقالة وبيع السلع المحتكرة ويزاول حسن الأمين الدرويش فيه الآن حرفة النجارة.

ج ـ ‌حوش سكنى عائلة الأمين الدرويش المذكور

د ـ ‌عِلّيّ كانت تسكنه- قبل الحرب العالمية الثانية- عائلة ايطالية ومن جملة من سكن به بعد ذلك المحامي حسنى أحمد الطويبى.

ولعله من المناسب في هذا السياق الإشارة إلى حادثتين رويتهما عن عمي الحاج عمر بن الحاج محمد مصطفى الشلي الذي كان له – بالمشاركة مع شقيقه الحاج عبد الرحمن دكان بقالة في شارع ميزران. لقد اعتاد الأخوان حين الفراغ من عملهما أن يمرا كل مساء - قبل الذهاب إلى البيت الواقع في زنقة المجروح - بوالدهما في دكانه لكي يساعده في تلبية طلبات الزبائن ثم يرافقانه إلى البيت. وذات أمسية كان آخر الزبائن هو الشيخ أحمد بن محمود الفائت ذكره الذي اشترى نصف كيلوغرام لوز احمر( بندق) وبعد دفعه الثمن غادر الدكان. وعلى اثر ذلك هَمَّ الحاج محمد بالانصراف إلى البيت تاركا ولديه في الدكان. وقبيل مغادرة الأخيرين قام أحدهما بكنس البلاط وإذا به يعثر على محفظة مليئة بالأوراق النقدية فأخبر أخاه على الفور فقرر الشقيقان أن يأخذاها معهما إلى البيت حيث أطلعا أباهما على الأمر وسلما إليه المحفظة إذ احتمل الأخير أنها كانت قد سقطت من جيب الشيخ أحمد بن محمود.

وحسب عادته غادر الحاج محمد منزله في الفجر متوجها إلى مسجد بن موسى – القريب من دكانه- حاملا معه المحفظة. و بعد الفراغ من الصلاة غادر المسجد وفيما كان على مقربة من دكانه رأى - عن بعد- الشيخ أحمد بن محمود متوجها بخطى سريعة نحوه وعلى وجهه علامات الحيرة والاضطراب. فعندئذ رفع الحاج محمد يده محاولا تطمينه صائحا بأن محفظته موجودة لديه وحين وصل إليه سلمه إياها فاستلمها منه شاكرا ومعربا عن نيته بإعطاء مكافأة نقدية لعمر وعبد الرحمن غير أن والدهما أبى طالباً من الشيخ أحمد- عوضا عن ذلك دعوة صالحة لهما.

أما الحادثة الأخرى فكان وقوعها في سنة 1939م. اعتادت ربة الأسرة الايطالية الساكنة في (عِلِّيّ) الدرويش المجاور أن تشتري بعض السلع من الحاج محمد الشلي. وذات يوم ابتاعت منه قدرا من المكرونة . وعند دفعها الثمن المطلوب لاحظت بأنه كان يزيد قليلاً على التسعيرة المقررة. فلما أخبرت- بعد الظهر- زوجها بالأمر لم يتوان عن إبلاغ الحرس البلدي بما حصل. فتمخضت عن ذلك قضية خطيرة وبعد تدخل شخصية من أعيان البلاد انتهى الأمر بفرض مخالفة قدرها خمسماية ليرة على الحاج محمد وكان ذلك وقتئذ مبلغا لا يستهان به فزاد منذئذ حقد الحاج محمد على الإيطاليين شدة وتضاعفت كراهيته لهم ولحكمهم البغيض.

هـــذا من ناحية، ومن ناحية أخرى روى لي عمي عمر الشلي انه ذات يوم من أيام تلك الفترة كان مارا بمفترق قوس اللحلاحي فإذا بسيدي محمد البلبالي يقابله فسلم عليه وبعد تقبيل يديه أعطاه الشيخ خمس بذرات يقطين(قرعة حمراء). و الشيخ محمد البلبالي كان رجلا من حملة كتاب الله ثم أنجدب وكان يجله المواطنون. ومن باب المصادفة أن كان الحجاج يستعدون في تلك الأيام للسفر إلى الأرضي المقدسة. إن عمر وأخاه عبد الرحمن كانا تواقين إلى أداء هذه الفريضة سيما وان عمر كان متكدرا لعدم إنجابه ذراري.

واخبرني الحاج عمر أنه وشقيقه عبد الرحمن اعتادا ألّا يُقدِما على فعل شيء إلا بعد استشارة أبيهما. وإذ مرا ذات أمسية كعادتهما بدكان والدهما ففاتحاه في أمر اعتزامهما على أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام فأجابهما بأنه هو أيضا يريد أداء الفريضة و التوجه معهما ولكن بشرط ألا يعود إلى الوطن مادام يرزح تحت الاستعمار الايطالي. فلم يكن لهما بد من تلبية رغبته فتوكل ثلاثتهم على الله وباشروا وأتموا جميع إجراءات السفر – التي كان من بينها أن يدفع كل حاج تأمينا قدره عشرون ليرة ذهبية . كانت مغادرتهم لأرض الوطن مع قافلة الحجاج على ظهر سفينة إيطالية. وجدير بالذكر أن تلك كانت هي المرة الأخيرة التي يتوجه فيها حجاجنا إلى الأراضي المقدسة في عهد الإدارة الاستعمارية الإيطالية.

هـذا وبعد وصولهم و آدائهم لمناسك الحج احتجب الحاج محمد وابناه عن رفاقهم إلى أن غادر هؤلاء الأراضي المقدسة. أخذ ينفق ثلاثتهم مما تبقى لديهم من نقود آخذة في النفاد وبما أنهم كانوا قد دفعوا التأمين النقدي الفائت ذكره، فكروا في محاولة استرداد مبلغ التأمين من القنصلية الايطالية في جدة. فإذا نجحت تلك المحاولة كان من شأنها- في اعتقادهم - حل أزمتهم المعيشية المتوقعة مستقبلا. وذات يوم توكل عمر وعبد الرحمن على الله وقررا الذهاب إلى جدة لغرض الاتصال بالقنصلية المذكورة. وهناك قابلهم المترجم محمد علي ظافر المدني مندهشا لتخلفهم عن رفاقهم وباخرة الحجاج قد غادرت البلاد منذ أيام عائدة إلى ليبيا. فأجابه الشقيقان بأن والدهما كان وماانفك متوعك الصحة وعاجزا عن السفر مضيفين أن حضورهما إلى القنصلية كان لأجل استرداد قيمة التأمين الذي سبق إيداعه في طرابلس. حتى يتمكنوا جميعا من العيش في دار الغربة . عندئذ تركهما المترجم في مكتبه ودخل مكتب القنصل ليخبره عن مشكلتهما، غير أن الأخير رفض طلبهما فعادا إلى أبيهما بخفي حنين وزادت حيرة الجميع. بعد أيام خطر ببالهم اللجوء إلى المواطن خالد القرقني الذي كان مستشارا بالديوان السعودي. فعندما زاروه شملهم بعطفه وكرمه وعنايته وقبل توديعهم سلمهم رسالة خاصة موجهة إلى القنصل تتضمن التماس تلبية طلبهم.

ولدى عودتهم بعدئذ إلى القنصلية وتسليمهم الرسالة ما كان على القنصل إلا تلبية الطلب وصرف قيمة التأمين إليهم. هـذا و إن العقلية التجارية المتمكنة من هؤلاء الغرباء الثلاثة ساعدتهم- بقدرة الله- على الخروج من أزمتهم، بل ويسرت لهم أسباب العيش الكريم. وبالنظر إلى غلاء المعيشة في مكة المكرمة والمدينة المنورة قرروا الإقامة في مدينة الطائف المعتدلة المناخ حيث استأجروا بيتا ريفيا لسكناهم ودكانا لمزاولة البقالة فيه مستثمرين ما كان بأيدهم من مال وفي كل موسم حج تالٍ كانوا يقصدون الحرمين الشريفين للحج. وقد أخبرني الحاج عمر أن أهل الطائف كانوا قوماً طيبين كرماء وقد ربطتهم ببعضهم علاقات كان ملؤها المحبة والمودة والثقة المتبادلة.

فخلال السنوات الأربع التاليات كتب الله لهم أربع حجات أخريات و قبل أن يحين موسم الحج مجددا حلت الهزيمة بالقوات الايطالية الألمانية المتحالفة في حرب الصحراء الليبية وتحررت بلادنا من براثن الاستعمار الايطالي. وعندئذ استطاع الحاج محمد الشلي وابناه العودة إلى أرض الوطن سالمين غانمين. وقد فسر الحاج عمر البذرات الخمس التي كان قد وضعها الشيخ البلبالي في يده بالحجات الخمس التي منَّ الله عليه بها. ومن المؤسف حقا القول بان زوجة الحاج محمد قد ادركتها المنية أثناء هذه الفترة فرحمها الله وسائر المسلمين.

• دكان محمد الوحيشي الذي كان صاحبه شيخا منحني الظهر ولكنه ينعم بصحة جيدة ونشاطا إذ أذكر أنه كان يمارس هواية التصيد "بالمقرون" في كل موسم فكان يجوب الأرياف القريبة من المدينة ويتصيد عائدا منها بحصيلة من طيور وأرانب برية.

وهنا تحضرني شبه نكتة طريفة كان بطليها هذا الرجل وشقيقي كامل حين كان الأخير في الخامسة من عمره. جاء أخي ذات يوم إلى هذا الدكان ومد إلى صاحبه " بوعشرة" ( قطعة نقدية ايطالية بطبيعة الحال قيمتها خمسة سنتيمات و – عند تغيير العملة العثمانية بعيد الاحتلال – كانت تساوي عشر بارات فعن ذلك نجمت التسمية " بوعشرة ") – ثمنا لسلعة كان يريد ابتياعها وكان سعرها أعلى من ذلك. فرد البقال القطعة النقدية إلى كامل قائلا في استهزاء:"أمش نَقَّعها" لأنها لا تغطي الثمن. وببراءة الطفولة عاد أخي إلى البيت فوضع تلك القطعة النقدية في (سطل) قرب البئر كان به شيء من الماء و ذلك تنفيذا لقول عمي الوحيشي. ولما سألته الوالدة – التي كانت تراقبه مستغربة- عما كان يصنع أجابها كامل بأن صاحب الدكان طلب إليه القيام بذلك كي تصلح " البوعشرة" لشراء المطلوب.

• يلى محل الوحيشي الآن دكانان بدلا من الدكان الوحيد الذي كان يزاول فيه الحاج الطيب بن سعيد الخويلدي حرفة الحلاقة. ولعله من الطريف أن هذا الرجل قد هاجر – بعد تحرير الوطن- إلى الأراضي المقدسة وأصبح مطوفا أو مساعد مطوف للحجاج الليبيين . إن الدكان مقتطع من حوش المهدي الحدادية الذي يقع بابه في زنقة بو رقيقة التالية للدكان ذاته. وتفصل بين هذه الزنقة وبين زنقة حواء علجية التي تليها جملة من العقارات الموقوفة على مسجد كرشود الواقع بشارع الماكينة في محلة ميزران وهي:

أ‌ـ محل صغير كان في وقت من الأوقات مقر كُتّاب الفقيه أحمد الطويبي ثم صار مكتبا لمختار المحلة وأصــبح الآن مستودعا للتوابيت كما أضحى بابـــه فـي زنقة (بو رقيقة) السابق ذكرها.

ب‌ ـ حوش عربي كبير ذو طابقين مع غرفة سقيفة سكن به - من جملة من اذكر- عمي رجب فرنكة والد كل من صديقي وزميلي بالمدرسة محمد وأخيه عبد الحفيظ. ومن المؤسف أن هذه التحفة المعمارية قد أهملت طويلا حتى صارت خرابة.

ج ـ ‌حوش كان يسكنه طبيب أمراض العيون الدكتور محمد عارف أدهم الضابط العثماني السابق الغرياني الأصل ووالد كل من إحسان ولطفي وأسعد. كانت عيادته بغرفة السقيفة حيث أذكر أنه أجرى عملية على عيْنى أحدى عماتي في ثلاثينيات القرن الميلادي الماضي.

د ـ ‌حوش كان محل سكنى عائلة شنيبة التي أذكر من أبنائها محمد الذي كان موظفا بوزارة الاقتصاد، ومسعود الذي كان رئيس قسم استهلاك الماء ببلدية الحاضرة وصالح الذي كان زميلي بالمدرسة الابتدائية وكذلك في نظارة الأشغال العامة وعلّي الذي كان زميلي بوزارة الخارجية وإبراهيم صاحب دكان الملابس الرجالية بشارع عمرو بن العاص في الوقت الحاضر.

هـ- حوش تدل الشرفة التي تعلو مدخله على أنه من طابقين. سكن به في فترات زمنية مختلفة كل من : لطفي أبو شويرب والد طبيب أمراض الأطفال والباحث التاريخي و الكاتب الدكتور عبد الكريم، ومحمد الرائس الغرياني النشأة التي تقلب في الوظائف العامة الذي كان ابنه الوحيد المهندس صبحي زميلي في نظارة الأشغال العامة وواحدا ممن تعلموا بالمدارس الإيطالية.

• بعد زنقة حواء علجية حوش عائلة عمر الزقلعي التي كان أبناؤها – كما جرت العادة – أرباب حرف فمحمد الملقب بجحا وعبد الله الملقب بالكاب وعز الدين كانوا من حاكة أردية حب الرمان، وأما ظافر فكان يزاول النجارة.

• زنقة شلاكة التي خلدها الأخ أ.د. علي فهمي خشيم في كتابه " هذا ما حدث".

• كتاب الفقيه أحمد الطويبي الذي يتم الطلوع إليه عبر سلم والذي يقوم تحته مرفق ميضأة جامع والأصح - مسجد- النخلي الذي يسبق زنقة بزيو. وحرى بالذكر أن بزيو- الذي تحمل الزنقة اسمه- كان يسكن في أول بيت يقع على يمين الداخل إلى الزنقة ذاتها ويقال إن الكُتَّاب والمرفق المذكورين كانا قد أقتطعهما من محل سكناه وأوقفهما على مسجد النخلي.

• مسجد النخلي الذي أسسه محمد خزندار النابوليطاني ويبدو أن الأخير كان من أسرى حرب الجهاد البحري وانه اعتنق الإسلام. و ممن أمْوا المصلين فيه كان الشيخ امحمد شقرون جد الشيخ محمد الماعزي . وممن ألقوا دروسا في الوعظ والإرشاد كان الشيخ مصطفى الصديق الكعبازي .

• ونتوجه الآن صوب الساباط الوحيد في هذا الشارع والذي سبق المرور تحته في جولة الذهاب. فبعد تجاوز زنقة الجمل- التي تليها ثلاثة دكاكين للبقالة ودكان كاتب عمومي- تقع زنقة العيان. ولعه من المفيد إضافة أن الدكاكين المذكورة كانت في وقت غابر جزءا من حوش يقابل بابه زنقة داود - الواقعة على اليسار- كان يملكه التاجر الغدامسي المهدي الثني. والذي سكنه في فترة ما العالم والمربي والصوفي الجليل علي أمين سيالة. ثم آلت ملكية هذا العقار إلى أحد آل قنابة ثم إلى ابنته التي كانت زوجة فضيلة الشيخ محمد العالم الكراتي.

• وعلى الناصية اليسرى لزنقة العيان يقع مشغل الأسطى محمد بن يوسف وابنه محمد كُرزُم اللذين كانا يزاولان حياكة الحوالي النسائية الصوفية نحو حولي الضامة و حولي المقرون والفراشية المُخَطَّطَة.

• يلاصق هذا المشغل دكان محمد بن رحومة حائك الأردية القطنية ويليه مشغل الأسطى هنكة لحياكة الأردية القطنية أيضا . وفي وقت لاحق قام عبد الفتاح البدوي بتحويل المحل الأخير إلى مقهى إداره في وقت لاحق محمد شويشين ثم اتخذه عمر شلقم طاحونة، لإعداد عجين الخبز. والمذكور هو شقيق الكمباري صاحب الطاحونة المواجهة له الذي سبق التعرض لذكره.

• (عِلِّيّ) كان يملكه بشير المحجوب المصراتي وتسكنه عائلة إيطالية.

• دكان ذو بابين للحلاق الحاج عثمان الفيتوري. ويقع هذا الدكان على الناصية اليمنى من شارع الدباغ القديم.

• على الناصية الأخرى كان دكان السنفاز الحاج محمد العجيلى والد كل الممثل الفكاهي الاستاذ إسماعيل و محمود الذي خلف أباه في المحل والمهنة والذي كان زميلي في المدرسة الابتدائية. و كما جاء في كتاب أ.د. علي فهمي خشيم السالفة الإشارة إليه إن هذا الدكان قد اتخذه للبقالة فيما بعد الحاج محمد بن حميدة خال وصهر الأستاذ علي نفسه.

قبل بلوغ مدخل الزاوية الكبير ينتهي شارع كوشة الصفار بدكان محمد الجعفري الذي كان يبيع المواد الغذائية والسلع المحتكرة. وفي وقت لاحق أدار هذا الدكان الصديق المرحوم خيري فرحات الذي كان من خريجي مكتب الفنون والصنائع وكان يتقن العزف على القانون وشارك في عضوية فرقة التمثيل والموسيقا لخريجي هذه المؤسسة التربوية وشغل فيما بعد وظيفة قيادية في مصلحة الضرائب وأذكر انه كان ملما باللغة الإيطالية.

وإلى هــنا تنتهـي هـذه الجولـة.

هناك تعليق واحد: